توقيت القاهرة المحلي 13:15:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«قنديل رمضان»

  مصر اليوم -

«قنديل رمضان»

بقلم : محمود خليل

شكلت مشاهد رمضان مساحة مهمة من المساحات التى اهتم عالم الرواية المصرية بتصويرها، وخصوصاً خلال فترة الأربعينات من القرن الماضى. المسألة لم تتوقف عند نجيب محفوظ وحده فى رواية «خان الخليلى»، بل شاركه فى طرق أبواب «عالم رمضان» الأديب الكبير يحيى حقى فى روايته «قنديل أم هاشم» التى تحكى قصة «إسماعيل» الذى نبت من رحم مصر الشعبية بأفكارها وتدينها الذى تختلط فيه الحقائق بالخرافات، ثم ذهب لدراسة الطب فى ألمانيا، وعاد مؤمناً بالعلم محتقراً طقوس الحياة الشعبية بحى السيدة زينب الذى شهد مولده وطفولته وصباه وشبابه، وأنكر على أهل الحى التداوى بزيت قنديل «أم هاشم»، وفى لحظة ثورة، حطم القنديل، فناله من محاسيب السيدة ما ناله. عاش «إسماعيل» لحظات حيرة وتشتت نفسى مرير. فليس من السهولة أن يواجه شخص بمفرده ثقافة المجموع. الكثرة دائماً تغلب الشجاعة الفكرية أو الأدبية. أتاح رمضان لإسماعيل لحظة تفكير وتأمل فى حاله وحال المحيطين به. ذكرته مشاهد الطقوس الرمضانية داخل حى السيدة زينب بالسعادة الطفولية التى كان يتعاطى فيها هذه الطقوس مع غيره من أطفال الحى دون سخط أو تبرم، تذكر كم كان يحب هذا الشهر ويستعجل قدومه.

جاء رمضان، فما خطر لإسماعيل أن يصوم، اكتفى بلحظة الصفاء التى جللت إحساسه بالشهر الكريم وأخذ يسأل نفسه: «لماذا خاب؟ لقد عاد من أوروبا بجعبة محشوة بالعلم، عندما يتطلع فيها الآن يجدها فارغة. ليس لديها على سؤاله جواب. هى أمامه خرساء ضئيلة، ومع خفتها فقد رآها ثقلت فى يده فجأة». طقوس رمضان فى حى السيدة ثابتة لا تتغير، فى كل عام يتشبث بها الناس أكثر من العام الذى سبقه. «ابن البلد» يمر فى هذا الحى خلال ساعات رمضان وكأنه خرج للتو من صفحات «الجبرتى». الأرض التى يقف عليها ابن البلد صلبة، يحركه نوع من الإيمان، يصح أن ننظر إليه كثمرة مصاحبة للزمان. ظلت الأسئلة تتبختر فى خيال «إسماعيل» طيلة ليالى رمضان، وليلة تجر ليلة حتى وصل إلى ليلة القدر. حلت ليلة القدر. فانتبه لها إسماعيل. ففى قلبه لذكراها حنين غريب. رُبى على إجلالها والإيمان بفضائلها، ومنزلتها بين الليالى، لا يشعر فى ليلة أخرى -ولا حتى ليلة العيد- بمثل ما يشعر به من خشوع وقنوت لله. هى فى ذهنه غرة بيضاء وسط سواد الليالى. كم من مرة رفع فيها بصره إلى السماء، فبهره من النجوم جمال لا يراها تنطق به بقية العام.

العبارات الموحية التى نسجها يحيى حقى تقول إن لا شىء يتغير فى العالم الخارجى عندما يهل شهر رمضان، التغير الحقيقى يحدث فى إحساس الفرد وطبيعة تفاعله مع العالم المحيط به خلال هذا الشهر. لحظة الصدق التى عاشها «إسماعيل» فى ليلة القدر التى تحمل فى رحمها زخم الليالى التى مرت من رمضان جعلته يحلل مشكلته ومشكلة من حوله بشكل دقيق. لقد عاد من أوروبا بإيمان جديد مداره العقل والعلم، وهو الذى خرج بالأمس من واقع إيمانى يتأسس على التبرك وتقبيل الأعتاب والاستنجاد بالأولياء والمدد السماوى. وبعد أن فكر وتدبر أدرك أن الإنسان لا يحلق فى الحياة بجناح واحد، لا بد من جناحين وإلا سقط. فالحياة يختلط فيها عالم الغيب بعالم الشهادة، والإحساس النفسى المبهم بالعقل الواعى المدرك، والمتناهى باللامتناهى، والماضى بالحاضر، إنها خلطة ثنائية عجيبة. آمن «إسماعيل» بأن العقل يعنى أن يتعامل الإنسان مع الواقع كما هو واقع، وإلا خسر نفسه وخسر الواقع. فالناس لا تتغير بالتصادم، بل بالتطوير، والطبيب الماهر يجب أن يدرك أن الشفاء لا يحدث بحيله وأدواته فى لحظة خاطفة، فالزمن جزء من العلاج.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«قنديل رمضان» «قنديل رمضان»



GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:23 2024 الخميس ,04 تموز / يوليو

المبحرون

GMT 08:21 2024 الخميس ,04 تموز / يوليو

قرارات أميركا العسكرية يأخذها مدنيون!

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt