توقيت القاهرة المحلي 22:37:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الخصوصية والعمومية فى الأحكام والنصوص

  مصر اليوم -

الخصوصية والعمومية فى الأحكام والنصوص

بقلم:عادل نعمان

نقول دائما إن معرفة الأحوال والظروف والعادات والتقاليد فى زمن محدد ومكان بعينه أمر مهم وضرورى لفهم ماهية ودلالة النصوص والأحكام، هل هى أحكام عامة يلتزم بها الناس فى كل زمان ومكان، أو خاصة لزمن محدد وحيز مكانى معين؟ وكذلك منهج الدعوة وسبيلها ووسيلتها مرهون بما هو متاح ومتوفر ومتقن وصالح بين الأيدى اليوم غير غد، وهنا سوى هناك، فلو أن الرعيل الأول من المسلمين فى المدينة، ومنهم المهاجرون لها من مكة، كانوا يجيدون فنونا وحرفا أخرى غير القتال والغزو، لكان سبيل الدعوة قد سلك مسلك الحرفة والمهنة التى امتهنوها واحترفوها، فضلا عن كونه منهجا مألوفا لدى الإمبراطوريات المجاورة، ولأن غالبيتهم كانوا لا يجيدون سوى فنون الحرب، ويعتمدون فى معايشهم على الغنائم فقد أصبح منهج الدعوة وسبيلها ومشجعاً ومحفزاً لبلوغ الهدف كما أرادوا، وقد كان لهذا تأثير شديد فى بلوغ الدعوة.

وتبليغ الدعوة، كما هو واضح تاريخيا، عمل بشرى، سبيلها وملجأها وواسطتها إلى الناس على قدر علمهم وأعمالهم وما يجيدون من صنعة وحرفة واختصاص، وعلى ما تهيأ لها من إمكانيات وقدرات، وما يحمله الزمان والمكان من طبائع وسلوك وتقدم وحضارة، فلو بعثت الرسالة فى مصر فى حينها لكان للدعوة منهج ومسلك رجالها وطبائعهم، ولو كانت الرسالة فى عهدنا هذا، لاتخذت من العلوم والفنون والمهارات سبيلا وموئلا، وما كان الغزو منهجا معتبرا ومألوفا، ولا كان للأحكام التى رافقت أحوال المدينة وظروف أهلها وجودا أو حضورا، بل كانت الأحكام على ما هو سائد وواقع.

ومن حقنا أن ندرك هذه الحقيقة البسيطة من أن وسيلة الدعوة والأحكام والمعاملات لها ما يحيط بها من أحداث ومواقف وظروف وتنشأ وتخلق على ما تفرضه مجريات الواقع وما يجد من وقائع، وكلها متغيرة ومتباينة من زمن ومكان إلى زمن ومكان آخر، ولا يمكن اعتبار الحكم عاما وشاملا وهو حبيس زمانه ومكانه فقط، فمثلا كيف تتحكم العادة القبلية من غزو واقتحام واحتلال فى سير الدعوة، وتحط بهذا المنهج على كل الأزمنة والأمكنة، وقد كانت عادة جاهلية ظالمة، والدعوة فى أصلها خروج ومروق على كل صور الظلم حتى لو فيه من الخير الوفير، فإذا بها منهج الصحاب فى نشر الدعوة ولها من التأصيل الشرعى ما يحملها حملا إلى أماكن ليست وسيلتها وإلى أزمنة مستقبلية تعتبر هذا العمل همجيا ووحشيا، فضلا عن أنه يفرض نفسه منهجا أبديا فى ظل ظروف اجتماعية ترفضه إنسانيا وتجرمه مستقبلا، وتفرض السلام وحرية الرأى والفكر والدين حقا للإنسان يرتضيه ويراه متوافقا مع فكره وحريته وحياته

وحتى نصل إلى المراد، فإنه من الضرورى أن نربط النص القرآنى وحكمه ودلالته بسبب النزول، وليس على مطلق اللفظ، ولا يعزل عن سياقه وظروفه التاريخية، فما من حكم إلا وكان له حدث معين وظرف خاص أو واقعة أو خلاف أو تحد بين الرسول والسائل، وما من آية إلا وكان لها سبب يفرض نفسه ويستوجب له نصا محددا، عدا القليل والنادر، ولو استبعدنا سبب النزول لكان لنا فهم آخر يختلف المفسرون حوله، والأرجح أن يحمله الناس على غير مراده، أو يكرهوه على ما لا يحب، فيكون محل خلاف وشقاق وتناحر.. مثال (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم) وسبب النزول أن بعض المهاجرين تخلفوا عن الهجرة بعد الوعد على ذلك، حين أبى أولادهم وأزواجهم عليهم الهجرة، ومنعوهم خوفا من تشريدهم وضياع أموالهم، ولفظ «عدو» خصم ومنافس ومانع عن اللحاق بالنبى، إلا أن هذه الآية لها مدلول واستخدام آخر عند الناس، والحقيقة المعتبرة أن تفسير الآيات إذا انفصل عن الواقع الذى أنتج هذه الآيات، أو السبب والمناسبة التى ساقته إلى صاحب الرسالة لكان لكل مفسر شأن آخر.

ولا أتصور أن الأحداث والوقائع والمواقف والتحديات والأزمات التى واجهت النبى فى مكة والمدينة وفرضت نصوصا وأحكاما لها، تتكرر بحذافيرها فى زمن آخر أو مكان آخر، حتى تكون هذه المواقف والأحكام أبدية، بل لكل زمن أحداثه ومواقفه، ومن ثم نصوصه وأحكامه، فلن يكون زيد هو زيد، ولا زينب بزينب، ولا حديث الإفك بحديث صدق أو كذب، ولا كانت رحلة المعراج ببراق بل بسفينة فضاء بالذرة!! وكان الجهاد على لقمة العيش بالعمل والعلم والشرف وليس بالغزو والسطو، وكان السبى عملا غير أخلاقى ومخالفا للقانون، الخلاصة: الأحكام والمعاملات خاصة وليست عامة، ولكل مجتمع ما يتوافق عليه ويراه صالحا له، ولكل مجتمع ثقافته وعلاقاته ومعاملاته، ولكل زمان ظروفه وأحواله واحتياجاته، مما يجعل الناس أعلم بشؤون دنياهم!!.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الخصوصية والعمومية فى الأحكام والنصوص الخصوصية والعمومية فى الأحكام والنصوص



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 09:33 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج القوس

GMT 08:15 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 02:05 2025 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

الزمالك يفاضل بين الترسانة والاتصالات لإعارة ندياي

GMT 12:40 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

خواطر التدريب والمدربين

GMT 03:46 2019 الأربعاء ,10 إبريل / نيسان

أفضل تصميمات لكوشة العروس تتناسب مع أجواء زفافكِ

GMT 11:02 2018 الأحد ,16 كانون الأول / ديسمبر

دور الاستثمار العقاري الخارجي في التنمية الاقتصادية

GMT 23:12 2020 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

طارق العريان يوجه رسالة لـ"أصالة" عقب إعلان الانفصال

GMT 10:53 2019 الإثنين ,21 تشرين الأول / أكتوبر

5 دلائل على زواج عمرو دياب ودينا الشربيني

GMT 12:00 2019 الإثنين ,08 إبريل / نيسان

ماجر يختار محمد صلاح أفضل لاعب عربي

GMT 15:01 2019 الجمعة ,04 كانون الثاني / يناير

أفكار مبتكرة ومتجددة لتزيين مداخل حفلات الزفاف

GMT 08:33 2025 الأربعاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

النجمات يتألقن بلمسة الفرو في الشتاء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt