توقيت القاهرة المحلي 15:03:47 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التصدي المهم... والتوظيف الأهم

  مصر اليوم -

التصدي المهم والتوظيف الأهم

بقلم - فـــؤاد مطـــر

عادت بي الذاكرة نصف قرن إلى الماضي وأنا أتأمل عبْر الفضائية العربية يوم السبت 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 في الشبان الفلسطينيين واقفين على متن آلية عسكرية إسرائيلية كانت إحدى ثمار مغامرتهم الجهادية واقتحامهم ببسالة مناطق إسرائيلية على الحدود مع قطاعهم الذي لطالما قاسى ساكنوه من التجني الإسرائيلي بجميع أنواعه طوال عقود. كانوا فتية في غاية الفرح وهم يرفعون عَلم قضيتهم تغمرهم بهجة المفاجأة التي خطفت أبصار الملايين شرقاً وغرباً مشاهدُها المتلاحقة على مدى ساعات من عمليات نفَّذها مقاومون ينتمون إلى حركة «حماس» وشملت إلى جانب أَسْر مئات من الإسرائيليين المدنيين أعداداً من العسكريين بينهم ضباط رفيعو الرتبة نقلوهم إلى مخابئ وأنفاق في مناطق من غزة، وبحيث يكون هذا الصيد ثمن ورقة بعد أن تسكت صواريخ المدافع والمسيَّرات الفلسطينية في اتجاه مدن إسرائيلية من بينها تل أبيب نفسها وترد عليها بضربات صاروخية جوية متلاحقة إسرائيل الغارقة بكامل سياسييها وعسكرييها في هول المفاجأة، التي ليس في حسبانهم حدوثها، مع أن المفاجأة المصرية الساداتية يوم السبت 6 أكتوبر 1973 أحدثت ما يشبه الفعل الصاعق في نفوس القيادتيْن العسكرية قبل السياسية في إسرائيل.


وتشاء الأقدار أن الفعل المفاجئ الفلسطيني «الحمساوي» يتزامن حدوثاً مع الفعل المفاجئ المصري الساداتي. كلاهما يوم السبت من أكتوبر، وبين الأول (1973) والآخر (2023) نصف قرن عربي كان عاصفاً بالانقلابات والتقلبات وبالقمم التي أبقت على شعلة القضية عصيَّةً على الانطفاء والتي من أجْلها كانت الاندفاعة «الحمساوية» الشجاعة تبدأ في اليوبيل الذهبي للاندفاعة الساداتية الشجاعة هَدياً بها أو اقتباساً لروحيتها ولحسن التخطيط إلى جانب التشوق القومي إلى نصر يُثلج الصدر العربي المحتقن خيبات. كأنما هذا السبت وبذلك التاريخ من الشهر سيذهب يوماً عربياً من حقبة إلى حقبة تنتهي بوضع الحق في مكانه والعدل في مجراه وعلى نحو ما توصي به الشرائع السماوية. وأجد الذهن يُشحذ واضعاً أمامي كلاماً سمعتْه من المشير أحمد إسماعيل، وزير الحربية المصري (تم تعديل التسمية لاحقاً بحيث باتت وزارة الدفاع) في حوار مطول أجريته معه في مكتبه ليلة الخميس 3 أكتوبر 1974 (نُشر في صحيفة «النهار» في اليوم التالي) لمناسبة ذكرى السنة الأولى للحرب، وبحضور مساعده وقائد الجيش الثاني خلال الحرب اللواء سعد مأمون. وفي سياق الكثير من إجاباته ركز المشير على أهمية توظيف النصر سياسياً على عنصر المفاجأة التي يراها مفتاحاً لكسْب الحرب وعلى أن المقاتل، وطنيةً وسلوكاً وإيماناً، أهم من السلاح. ولقد انطلق في تحليله المطول للأمور الثلاثة على خلفية عدم ذهاب القوات المصرية إلى آخر المطاف بالنسبة إلى ثغرة الدفرسوار التي بدا استحواذ الإسرائيليين عليها إنقاصاً من مهابة الانتصار الكامل للجيش المصري في حرب 6 أكتوبر 1973. ومن جملة ما قاله في الأمر المحيِّر لتلك الثغرة: ولماذا لم يتم ضربها «أمس كنت أتحدث في الموضوع نفسه مع أحمد بهاء الدين، ولقد أكدتُ له وأريد أن أكرر تأكيدي لك أن موضوع الثغرة لم يكن مسألة صعبة بالنسبة إلينا كعسكريين. وها هو اللواء سعد مأمون يجلس إلى جانبك لقد عيَّنته ليصفِّي أمر الثغرة...»... وبتعليق من جانبي يأخذ في الاعتبار مكانة مَن استقبلني ومكان إجراء الحوار قلتُ للواء سعد مأمون: «ليتك أنهيت موضوع الثغرة فلو انتهت ماذا كان سيبقى لإسرائيل».

لكنَّ المشير إسماعيل قال إن الرئيس السادات «ارتأى أن يسحب العدو جنوده بعدما أدرك أن الوضع ليس لمصلحته أبداً...»...

ما يراد قوله في ضوء هذا الاستحضار أن استلهام حركة «حماس» الرمز المعلَن للجولة القتالية المبهرة يوم 6 أكتوبر 1973 لجهة المفاجأة والإصرار والثقة بالنفس وعدم إفطار المقاتل المصري مواصلاً صوم رمضان، يستوجب العمل على توظيف يعوّض ما اقترفته إسرائيل ماضياً وحاضراً في حق الشعب الفلسطيني، وبالذات مع فلسطين الغزاوية التي تغرد خارج سرب السلطة الوطنية التي تمارس دور «الدولة» المستعصي استيلادها... إلا إذا بادرت «حماس» المزوَّدة ماضياً باقتراعٍ لمصلحتها في الانتخابات، إلى توظيف مفاجأتها الحربية المبهرة وعلى نحو ما فعلتْه مصر في موضوع الثغرة التي أفسح عدم تصفيتها في المجال أمام إمكانية التوجه نحو التسوية السلمية. وهذا كان وارداً وممكناً على نحو ما استحضرناه من كلام قاله لنا المشير أحمد إسماعيل قبل 49 سنة. والتوظيف كما يمكن تصوره هو بعدم التفريط في حياة الأسرى لديهم وتسليمهم إلى الدولتيْن (مصر والأردن) المتعاطيتيْن عملياً مع إسرائيل بموجب اتفاقيات سلام وإبداء الاستعداد من جانب كلتيهما لتبريد أزمات فلسطينية - إسرائيلية تنشأ، فضلاً عن أن ورقة الأسرى هذه من شأنها في ضوء التناغم السياسي الإقليمي السعودي - الإيراني - التركي - المصري - الخليجي عموماً إخراج صيغة الحل وفق مبادرة السلام العربية من الصندوق المقفل عليه بمفاتيح التصلب الإسرائيلي الذي لم يعد مبرَّراً بعدما أذابت الهجمة «الحمساوية» الكثير من تمثال التشاوف الإسرائيلي على العرب وعدم التقاط ملامح الانفتاح على التعايش مع إسرائيل كدولة في المنطقة. وهي إذا كانت لن تعيد قراءة في العمق لمواقفها فإن ما هو آتٍ قد يكون الأكثر حسماً ولو بعد نصف قرن آخر أعقب التسوية المصرية - الإسرائيلية التي جاءت توظيفاً من جانب الرئيس (الراحل) أنور السادات حربه (اتفاقية كامب ديفيد بتوقيع السادات ومناحم بيغن والشاهد الأميركي الرئيس جيمي كارتر الذي أكمل العام المائة من العمر قبل أيام). وما نقصده بما هو آتٍ قاله المشير إسماعيل في الحوار الذي أجريته معه وبصريح العبارة: «إننا لا نتصرف على أساس أن المعركة انتهت. إنها ستظل مستمرة ما دامت هناك أرض عربية يحتلها العدو الإسرائيلي...»...

ويبقى القول في ضوء الهولوكوست التدميري الانتقامي، حجراً وبشراً، رداً على الثأر «الحمساوي» الغزاوي، وقَى المولى، عزّ وجلّ، تداعيات هذا الهولوكوست الذي لن يكون في أي حال العلاج الشافي للفعل الفلسطيني الذي تأخر حدوثه وعلى نحو مواصلة إسرائيل التأخير في الأخذ بصيغة الدولتيْن التي تُنجيها من جولات لاحقة ربما تكون أكثر صعقاً من تلك التي أربكت صوابها يوم 7 أكتوبر الفلسطيني توأم 6 أكتوبر المصري. والله المعين.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التصدي المهم والتوظيف الأهم التصدي المهم والتوظيف الأهم



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt