توقيت القاهرة المحلي 12:25:29 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الصعود السعودي: منطق الدولة ومقاربة الشراكة

  مصر اليوم -

الصعود السعودي منطق الدولة ومقاربة الشراكة

بقلم : يوسف الديني

منذ تأسيس الدولة السعودية الحديثة، ارتبط دورها الإقليمي بمنطق الدولة لا منطق الهيمنة، وبالسعي إلى احتواء الأزمات والانكسارات ومعالجة مهددات الاستقرار، أكثر من الانخراط في تأسيس مشاريع تقويضية أو فرض نماذج جاهزة. ففي أكثر اللحظات العربية والإقليمية حرجاً، مالت الرياض إلى مدّ اليد، وفتح مسارات التهدئة، والدفع نحو التسويات، حتى عندما كان ذلك مكلفاً سياسياً أو اقتصادياً، ما دام لا يمس ثوابت وطنية أو سيادية غير قابلة للمساومة. ولم يكن هذا السلوك تعبيراً عن تردد أو ضعف، بل كان انعكاساً لقناعة استراتيجية بأن الفوضى لا تُدار، وأن الصدام المفتوح لا يصنع استقراراً، بل يراكم أزمات طويلة الأمد.

ضمن هذا الإطار التاريخي، لا يُفهم الصعود السعودي بوصفه توسعاً في النفوذ أو محاولة لإعادة ترتيب الإقليم حول مركز واحد، بل بوصفه مساراً يسعى إلى إدارة التفاعل الإقليمي بطريقة أكثر استقراراً، فالسعودية تنطلق من قناعة بأن الاستقرار المستدام لا يُبنى عبر فرض نماذج سياسية أو هندسة المجتمعات من الخارج، بل من خلال تمكين الدول من الحفاظ على تماسكها الداخلي وتطوير مساراتها الخاصة وفق ظروفها الوطنية.

ولهذا، لم تُقدَّم المقاربة السعودية بوصفها بديلاً عن الآخرين أو مشروعاً لإزاحتهم، بل بوصفها إطاراً ينظّم التنافس في بيئة إقليمية شديدة التنوع سياسياً واقتصادياً وثقافياً، فقد أظهرت التجربة أن محاولات توحيد المسارات قسراً غالباً ما تُنتج مقاومة واختلالات، في حين تتيح مقاربات الشراكة والمرونة فرصاً أوسع للتكيّف والاستدامة. من هنا، ظل التركيز السعودي منصباً على منع الانهيارات الكبرى وتقليص كلفة الصراعات، لا على استثمارها أو إدارتها بوصفها أدوات نفوذ.

وتقوم هذه المقاربة على تمييز واضح بين الأمن بوصفه مصلحة جماعية لا ينبغي توظيفها في التنافس السياسي أو الاقتصادي، وبين مجالات التنمية والاقتصاد بوصفها فضاءات مفتوحة للمبادرة والتحديث، فالحفاظ على استقرار الدول، ومنع التفكك، وتأمين الممرات الحيوية، تُقدَّم في الرؤية السعودية بوصفها متطلبات أساسية لأي بيئة إقليمية قابلة للنمو، لا بوصفها أدوات ضغط أو مساومة. وفي المقابل، تُترك مجالات الاستثمار والتجارة والطاقة واللوجيستيات للتنافس المنظم وغير المسيّس، بما يقلل كلفة التوترات ويمنع انتقالها إلى مستوى يهدد الأمن أو السيادة.

ويظهر هذا النهج السعودي في سعيه إلى إعادة قدر من الوضوح للتداخل المتزايد بين الملفات الأمنية والاقتصادية الذي طبع المشهد الإقليمي خلال العقدَيْن الماضيَيْن، فبدل التعامل مع هذا التداخل بوصفه ساحة صراع مفتوح، عملت الرياض على تنظيمه ضمن أطر تسمح باستمرار التنافس الطبيعي، من دون أن يتحول إلى توترات سياسية أو صدامات مباشرة.

كما تتضح هذه المقاربة عند مقارنتها بالتصورات التي تنطلق من فكرة «إعادة تشكيل الشرق الأوسط» وفق صيغ سياسية أو أمنية جاهزة، فمثل هذه التصورات تفترض أن عدم الاستقرار نابع من بنية المجتمعات نفسها، وأن الحل يكمن في إعادة هندستها من الأعلى. غير أن تجارب السنوات الماضية أظهرت أن هذا المنطق غالباً ما قاد إلى تفكيك الدول وتدويل الصراعات، بدل بناء استقرار فعلي. في المقابل، يركز النهج السعودي على الشراكة مع الإقليم كما هو، لا على إعادة صياغته وفق نماذج مفروضة.

ويرتبط هذا التوجه بالتحول الداخلي الذي تشهده السعودية في إطار «رؤية 2030»، التي تُقدَّم بوصفها عملية تحديث تدريجي متوازن، لا قطيعة مع الهوية أو السياق الاجتماعي. هذا التوازن بين التحديث والحفاظ على التماسك الداخلي انعكس خارجياً في مقاربة أكثر قابلية للتنبؤ، وأقل ميلاً إلى تصدير التوترات أو ربط التحولات الداخلية بمشاريع إقليمية صدامية.

في المحصلة، لا يمكن فصل مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط عن فهم تراكمي لتاريخه وجغرافيته وهويته المتشابكة، فالصعود الذي يتجاهل هذه العوامل، أو يحاول القفز فوقها بإعادة تشكيل قسرية، غالباً ما ينتج اضطراباً أكثر مما ينتج نظاماً. ومن هذه الزاوية، تمكن قراءة الصعود السعودي بوصفه مساراً يسعى إلى إدارة التفاعل الإقليمي وفق أطر السيادة والمصالح الوطنية والأمن الإقليمي، بما يهدف إلى توسيع فرص التعاون من دون مصادرة طموحات الآخرين المشروعة، شريطة ألا تتحول هذه الطموحات إلى أدوات تهديد للأمن والسيادة، أو إلى امتدادات لأجندات خارجية لا تنتمي إلى السياق التاريخي والقيمي الذي تشكّلت فيه المنطقة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الصعود السعودي منطق الدولة ومقاربة الشراكة الصعود السعودي منطق الدولة ومقاربة الشراكة



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt