توقيت القاهرة المحلي 01:26:21 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البقاء للأكثر استقراراً

  مصر اليوم -

البقاء للأكثر استقراراً

بقلم : يوسف الديني

الشرقُ الأوسط منذ الحربِ العالمية الثانية ظلَّ مختبراً للقوة والقلاقل وتعطلت فيه التنمية التي سببتها الحروب المتتالية. فهذا الجزء من العالم علاقتُه بالحروب معقدة. وعلى الرغم من هذا ظلت فكرة تغيير الخرائط، رغم تكرارها مؤخراً والتلويح بها في الأزمات الكبرى، مستعصيةً على الغزاة ومشاريع التجريب والهيمنة بالقوة أو بناء الأذرع والاستثمار في الميليشيات.

المنطقة اليوم أمام لحظة حاسمة ومشروعين متقابلين في الظاهر، متشابهين في الجوهر. إسرائيل، منذ 1948 وبشكل أعمق بعد حرب 1967، ربطت أمنها ونموذجها بالسيطرة والاحتلال الممنهج وفرض الوقائع على الأرض، مستندة إلى قوة عسكرية وتكنولوجيا فائقة. ثم تحولت هذه القوة القسرية من أداة دفاع إلى وسيلة لإدارة الاحتلال وتكريس الواقع الجغرافي بمنطق القوة، واستبدال منطق ردع لا يتوقف بمحاولات التسوية.

وفي الضفة الأخرى، بنت إيران منذ ثورة 1979 مشروعَها بطريقة مختلفة؛ لا تعتمد على التوسع المباشر، بل على الاستثمار في الوكلاء. وبعد حربها الطويلة مع العراق، ثم سقوط بغداد عام 2003، أدركت أنَّ الفوضى أقل تكلفة وأكثر فاعلية من الاحتلال المباشر، فمدت نفوذها عبر كيانات ما دون الدولة والميليشيات في لبنان والعراق وسوريا قبل سقوط نظام الأسد واليمن، ظناً منها أن اختراق الدول المحيطة إضعاف لها، بينما كان في الحقيقة إنهاكاً لإيران نفسها، انعكس على الداخل وظهر في احتجاجات قاسية كادت غير مرة أن تمسّ النظام.

العداء الصريح بين إيران وإسرائيل لا يمنع هذه المقارنة على مستوى الاستراتيجية؛ فائض القوة في تل أبيب، وفائض الوكلاء في طهران، كلاهما يسعى إلى تحويل الدول غير المستقرة إلى ساحات تفاوض وضغط، والنتيجة واحدة: دول أقل استقراراً، أكثر هشاشة، وأقرب إلى الانفجار.

في المقابل، هناك طريق ثالث يجني اليوم ثمرة مقاربته المختلفة عبر الاستثمار في الداخل، ويبرز هنا النموذج السعودي الذي وسع مفهوم القوة ليشمل الاستقرار والتنمية والاستثمار في المواطن على اعتبار أنَّها أهم أسلحة أساس القوة الصلبة. لذلك سعت الرياض، إلى جانب تفوقها الدفاعي، لبناء قوة مستدامة تقوم على الاقتصاد المتنوع، ودولة الرفاه والكفاءة، المسنودة بمجتمع حيوي لديه مناعة صلبة حيّرت الخصوم في تصديه لحملات الاستهداف والتضليل.

النموذج السعودي لم يتجاهل الأمن والحزم؛ فقد استثمرت الرياض في تطوير قدراتها الدفاعية، وتوطين الصناعات، وحماية الطاقة والمدن والمنشآت الحيوية، وأرسلت أكثر من مرة رسالة واضحة بأنها لا تتساهل مع أمنها. لكنها في الوقت نفسه اختارت ألا تُجر إلى حروب لم تخترها. وعلى مدى التاريخ السعودي، لم يكن الاستفزاز مؤثراً في سياستها، بل كانت تثبت ذلك الخيط الرفيع بين الردع المسؤول والاندفاع العسكري، بما يعكس عراقة وتقاليد بيت الحكم.

والحال أن سلاح التنمية نجح مراراً في التاريخ الحديث؛ جربته ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة، وكلها صنعت تجربتها عبر الاستقرار والتعليم والصناعة والانفتاح على العالم. وفي المقابل، يحفل التاريخ بدول تآكلت مشاريعها الوطنية بسبب خطاب آيديولوجي فشل في إنتاج منطق الدولة.

في إيران اليوم أصوات إصلاحية تدرك خطورة الاستثمار في التصعيد. كتب محمد علي أبطحي، نائب خاتمي والإصلاحي المعروف، مقالاً لافتاً حول ضرورة مد اليد إلى دول الخليج من أجل نمو المنطقة ومصلحة شعوبها، مؤكداً أن تحويل الخليج إلى ساحة ضغط يضر بإيران أكثر مما يضر بجيرانها، الذين سيبقون في نهاية المطاف حين ينتهي أوار الحرب.

السعودية تراهن على معادلة أثبتت نجاحها: تنمية تحميها القوة، ومصالح وطنية ترعاها دبلوماسية متفوقة، مسنودة باقتصاد صلب، ووحدة مجتمعية، وتحالفات متنوعة. لذلك صار هذا المزيج السعودي قصة استقرار فريدة، تؤكد أن الاستقرار في المفهوم السعودي، ولدى دول الاعتدال، عامل قوة مضاعف؛ لا يحمي الداخل فقط، بل يحول التنمية إلى نموذج إقليمي يؤكد يوماً بعد يوم أن البقاء للأكثر استقراراً.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البقاء للأكثر استقراراً البقاء للأكثر استقراراً



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt