توقيت القاهرة المحلي 13:58:34 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البقاء للأكثر استقراراً

  مصر اليوم -

البقاء للأكثر استقراراً

بقلم : يوسف الديني

الشرقُ الأوسط منذ الحربِ العالمية الثانية ظلَّ مختبراً للقوة والقلاقل وتعطلت فيه التنمية التي سببتها الحروب المتتالية. فهذا الجزء من العالم علاقتُه بالحروب معقدة. وعلى الرغم من هذا ظلت فكرة تغيير الخرائط، رغم تكرارها مؤخراً والتلويح بها في الأزمات الكبرى، مستعصيةً على الغزاة ومشاريع التجريب والهيمنة بالقوة أو بناء الأذرع والاستثمار في الميليشيات.

المنطقة اليوم أمام لحظة حاسمة ومشروعين متقابلين في الظاهر، متشابهين في الجوهر. إسرائيل، منذ 1948 وبشكل أعمق بعد حرب 1967، ربطت أمنها ونموذجها بالسيطرة والاحتلال الممنهج وفرض الوقائع على الأرض، مستندة إلى قوة عسكرية وتكنولوجيا فائقة. ثم تحولت هذه القوة القسرية من أداة دفاع إلى وسيلة لإدارة الاحتلال وتكريس الواقع الجغرافي بمنطق القوة، واستبدال منطق ردع لا يتوقف بمحاولات التسوية.

وفي الضفة الأخرى، بنت إيران منذ ثورة 1979 مشروعَها بطريقة مختلفة؛ لا تعتمد على التوسع المباشر، بل على الاستثمار في الوكلاء. وبعد حربها الطويلة مع العراق، ثم سقوط بغداد عام 2003، أدركت أنَّ الفوضى أقل تكلفة وأكثر فاعلية من الاحتلال المباشر، فمدت نفوذها عبر كيانات ما دون الدولة والميليشيات في لبنان والعراق وسوريا قبل سقوط نظام الأسد واليمن، ظناً منها أن اختراق الدول المحيطة إضعاف لها، بينما كان في الحقيقة إنهاكاً لإيران نفسها، انعكس على الداخل وظهر في احتجاجات قاسية كادت غير مرة أن تمسّ النظام.

العداء الصريح بين إيران وإسرائيل لا يمنع هذه المقارنة على مستوى الاستراتيجية؛ فائض القوة في تل أبيب، وفائض الوكلاء في طهران، كلاهما يسعى إلى تحويل الدول غير المستقرة إلى ساحات تفاوض وضغط، والنتيجة واحدة: دول أقل استقراراً، أكثر هشاشة، وأقرب إلى الانفجار.

في المقابل، هناك طريق ثالث يجني اليوم ثمرة مقاربته المختلفة عبر الاستثمار في الداخل، ويبرز هنا النموذج السعودي الذي وسع مفهوم القوة ليشمل الاستقرار والتنمية والاستثمار في المواطن على اعتبار أنَّها أهم أسلحة أساس القوة الصلبة. لذلك سعت الرياض، إلى جانب تفوقها الدفاعي، لبناء قوة مستدامة تقوم على الاقتصاد المتنوع، ودولة الرفاه والكفاءة، المسنودة بمجتمع حيوي لديه مناعة صلبة حيّرت الخصوم في تصديه لحملات الاستهداف والتضليل.

النموذج السعودي لم يتجاهل الأمن والحزم؛ فقد استثمرت الرياض في تطوير قدراتها الدفاعية، وتوطين الصناعات، وحماية الطاقة والمدن والمنشآت الحيوية، وأرسلت أكثر من مرة رسالة واضحة بأنها لا تتساهل مع أمنها. لكنها في الوقت نفسه اختارت ألا تُجر إلى حروب لم تخترها. وعلى مدى التاريخ السعودي، لم يكن الاستفزاز مؤثراً في سياستها، بل كانت تثبت ذلك الخيط الرفيع بين الردع المسؤول والاندفاع العسكري، بما يعكس عراقة وتقاليد بيت الحكم.

والحال أن سلاح التنمية نجح مراراً في التاريخ الحديث؛ جربته ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة، وكلها صنعت تجربتها عبر الاستقرار والتعليم والصناعة والانفتاح على العالم. وفي المقابل، يحفل التاريخ بدول تآكلت مشاريعها الوطنية بسبب خطاب آيديولوجي فشل في إنتاج منطق الدولة.

في إيران اليوم أصوات إصلاحية تدرك خطورة الاستثمار في التصعيد. كتب محمد علي أبطحي، نائب خاتمي والإصلاحي المعروف، مقالاً لافتاً حول ضرورة مد اليد إلى دول الخليج من أجل نمو المنطقة ومصلحة شعوبها، مؤكداً أن تحويل الخليج إلى ساحة ضغط يضر بإيران أكثر مما يضر بجيرانها، الذين سيبقون في نهاية المطاف حين ينتهي أوار الحرب.

السعودية تراهن على معادلة أثبتت نجاحها: تنمية تحميها القوة، ومصالح وطنية ترعاها دبلوماسية متفوقة، مسنودة باقتصاد صلب، ووحدة مجتمعية، وتحالفات متنوعة. لذلك صار هذا المزيج السعودي قصة استقرار فريدة، تؤكد أن الاستقرار في المفهوم السعودي، ولدى دول الاعتدال، عامل قوة مضاعف؛ لا يحمي الداخل فقط، بل يحول التنمية إلى نموذج إقليمي يؤكد يوماً بعد يوم أن البقاء للأكثر استقراراً.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البقاء للأكثر استقراراً البقاء للأكثر استقراراً



GMT 09:12 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

النظام الإيراني... على طريقة صدّام

GMT 08:59 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

ناس من راس بيروت

GMT 08:50 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

النَّووي السّعودي والأسئلة الصَّعبة

GMT 08:45 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

أسئلةٌ لا تغيب وفلاسفةٌ تجيب

GMT 08:40 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

الكويت والبحرين و«ردع» الخليج

GMT 08:03 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

الزيارة الأميركية والإمكانات الحاضرة

فساتين هنا الزاهد النهارية تجمع بين الأنوثة والعصرية

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 09:51 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

عيوب خطيرة تتسبب في سحب 4.3 مليون سيارة فورد

GMT 10:44 2022 الخميس ,21 إبريل / نيسان

نانسي عجرم بإطلالات أنيقة وجذابة

GMT 13:52 2021 الخميس ,06 أيار / مايو

الكشف عن سكودا فابيا 2022 الجديدة كليا

GMT 14:50 2020 الخميس ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

دياب يشارك فى بطولة "نسل الأغراب" مع أحمد السقا وأمير كرارة

GMT 20:08 2020 الأحد ,28 حزيران / يونيو

روسيا تسجل 6791 إصابة جديدة بفيروس كورونا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt