توقيت القاهرة المحلي 22:54:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مستقبل سوريا بين التطمينات والتحديات

  مصر اليوم -

مستقبل سوريا بين التطمينات والتحديات

بقلم : يوسف الديني

مهمة صعبة وشاقة أمام السوريين اليوم لإعادة بناء دولتهم عقب سقوط نظام الأسد الذي أعاد حالة البلاد إلى قرون مضت تقترب من حالة اللادولة بما تعنيه الكلمة، لكن هذه صفحة من الماضي، الآن يجب أن يضعها السوريون أمام عدالة انتقالية لا انتقامية ويمضون في بناء مستقبلهم وفق ثلاثة محددات: السيادة، المواطنة، بناء المؤسسات بشكل عادل يضمن مشاركة جميع المكونات.

هذه المهمة اليوم لا يمكن أن تكون رهينة التطمينات التي تقتصر حتى الآن على الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب، وبدرجة ثانية دول الإقليم على طريقة دبلوماسية الأمر الواقع، وليس المراجعات والإجابة عن الأسئلة الأساسية والتفاصيل في خضم فوضى من الإشارات وفلتات التصريحات التي ربما وإن كانت لا تعني كثيراً الدول المنخرطة في سوريا، لكنها حتماً تهم السوريين أكثر من غيرهم.

المراجعات اليوم لمسيرة الثورة السورية ومكوناتها بعيدة عما حدث في إسقاط النظام من قِبل تحالف فصائل تقوده «هيئة تحرير الشام» ضمن «ردع العدوان» في مدة قياسية وغامضة لم تتكشف خيوطها بعد، لكنها مفرحة للسوريين وللعالم بسبب تجنبها للدماء، حيث كل ضحايا إسقاط النظام لا يشكلون إلا نسبة ضئيلة جداً إذا ما قورنوا بواحدة من المعارك الدموية بين التنظيمات والفصائل المسلحة وحتى معارك التصحيح داخل التنظيم الواحد وفقاً للأرقام التي يجب أن تحضر في مقاربة ما حدث.

تتضخم التحديات في بلد منقسم حتى قبل سقوط النظام ويشهد منافسة شرسة بين جهات فاعلة محلية ودولية لمحاولة دفع سلطات الأمر الواقع لرسم ملامح واقع جديد في ظل فراغ للسلطة وتجنب انتهاكات حقوق المكونات «الأقليات» السورية، والسيطرة على الكتلة الصلبة للتنظيمات والمجموعات التي ما زالت مصنَّفة على قوائم الإرهاب، فضلاً عن التحديات الأمنية الوطنية حتى قبل أي حديث عن انتقال سياسي، وعلى رأس تلك التحديات «المقاتلون الأجانب»، الملف الذي سيكون مؤرقاً للسوريين قبل غيرهم في ظل ارتباك في معالجة هذا الملف ومؤشرات غير إيجابية مهما كانت التطمينات في التصريحات الإعلامية التي ستظل محل مراقبة المجتمع الدولي باعتبارها تعكس تحولات حقيقية لتيار «الجهادية» السورية المحلية، وهو توصيف لما آل إليه التغيير الاستراتيجي في أطروحات التنظيمات المسلحة أو مجرد خطاب مهادن ومرحلي لضمان السيطرة على الأوضاع الداخلية في ظل توافقية دولية وهيمنة تركية، وارتباك كبير لاحظناه في مواقف الدول وحتى تيارات الإسلام السياسي التي بعد أن انفضت الاحتفالات بسقوط نظام الأسد وخروج المشروع الإيراني من المشهد، يبحثون عن موطئ قدم لابتلاع «ربيع التنظيمات» باعتباره امتداداً نوستالجياً لـ«الربيع العربي» الذي للأسف كانت آلت نتائجه المشابهة للحالة السورية في ليبيا واليمن والسودان إلى واقع مفزع.

هناك فرصة ذهبية من الارتياح العام في التخلص من إرث وحشي ثقيل ورغبة في فترة من السلام والبناء للقادم من الأيام، لكن استحقاقات ذلك تعني حوكمة رشيدة وضماناً للاستقرار واستمرار الخدمات الحكومية والاستفادة من خبرات المعارضة المنشقة على النظام في كل القطاعات، حتى وإن لم تتفق مع آيديولوجيا سلطة الأمر الواقع، لا سيما في الوظائف المتصلة بتسيير الأعمال اليومية والإدارات غير الحساسة مع ضرورة تمكين المجتمع المدني من المشاركة، والأهم هيئة مستقلة للعدالة فيما يتصل بجرائم العهد السابق.

هناك تحسس واضح حول دور المؤسسات والمنظمات الدولية من قِبل الإشارات الغامضة والإجابات الدبلوماسية من قِبل سلطة الأمر الواقع، ويمكن وصفها بأنها مرحلة «بين السطور» رغم كل التلقي الإيجابي الدولي والعربي بسبب نشوة التخلص من وحشية النظام السائد، وتذكر معاناة السوريين التي عاشها الكثير من المجتمعات العربية مهم يوماً بيوم، لكن تشجيع الشرعية الدولية للحكومة المركزية والوساطة وضبط إيقاع العلاقة بين تركيا من جهة والمكون الكردي ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، ستكون ضمانة مهمة لعدم الانزلاق في أتون الفوضى، إضافة إلى ضرورة عدم التحسس من المجتمع السوري المدني الذي أبدى نضجاً كبيراً في كل ما كتبه منذ سقوط الأسد إلى الآن، فهم مستعدون لبناء وطنهم كما أن كثيراً من المكونات السياسية في المنفى قادرة على لعب أدوار إيجابية متى ما منحت الثقة والضمانات الكافية.

الاستثمار في الحديث السوري اليوم على أشده من قِبل كل أصحاب المشاريع الانتفاعية والبراغماتية وأهل الشعارات الذين يحاولون التحشيد ضد استقرار دول المنطقة عبر قراءة رغبوية لما حدث، ومحاولة صناعة أيقونات شمولية وحتى إطلاق عبارات خطرة لا تعكس ما حدث من قبيل «من يحرر يقرر»، وغيرها من محاولة الوصاية على منجز دفع فيه السوريون أثماناً باهظة على مدى عقد ونصف العقد قبل الانهيار الدرامي الذي يشبه النهايات السعيدة لمسلسل وحشي لا يجب أن يتكرر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مستقبل سوريا بين التطمينات والتحديات مستقبل سوريا بين التطمينات والتحديات



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الضحايا المعتادون

GMT 10:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ماذا تبقَّى من إمبراطورية طهران؟

GMT 10:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أميركا والمونديال والحذر والقدَر

GMT 07:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 22:22 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

تركي آل الشيخ يشوّق الجمهور لمسلسل أحمد عز الجديد
  مصر اليوم - تركي آل الشيخ يشوّق الجمهور لمسلسل أحمد عز الجديد

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"

GMT 06:12 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

آمال بدر تكشف عن أبرز الأفكار لتزيين المنزل بـ"الباسكت"

GMT 11:07 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أحذية عملية ومريحة لاطلالات الجامعة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt