توقيت القاهرة المحلي 19:29:01 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«اتفاقية مكة»... استقرار لموازين القوى

  مصر اليوم -

«اتفاقية مكة» استقرار لموازين القوى

بقلم: يوسف الديني

ربما تكون القراءة الأهم لـ«اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان أنَّها ليست ردةَ فعل على ما يحدث اليوم، كما يشير كثير من القراءاتِ الاختزالية للحدث، التي تحاول حشرها ضمن سياق حرب إيران أو الصلف الإسرائيلي، وإن كانت ستُلقي بظلالِها على ذلك، لكنَّ الاتفاقية تركز بصورة أكبر على ما سوف يكون عليه عالمُ الغد، في ظل هذه التحولات المذهلة.

الاتفاقية، لا سيما مع ما ترشح من انفتاحها على انضمام دول إقليمية، تكشف عن وعي مبكر بأنَّ النظامَ الدولي الذي حكم علاقات الدول منذ نهاية الحرب الباردة يعيش مرحلة تحول وأفول، وأنَّ انتظارَ استقرار النظام البديل دون تحرك ليس إلا مخاطرة استراتيجية قد تقترب من المقامرة في منطقة ملتهبة بالفوضى والانفلات.

تأسّس النظام الدولي الحديث عام 1945 على مركزية القوة الأميركية والمؤسسات الدولية التي نشأت في ظلّ موازين القوى التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية، ثم جاءت نهاية حقبة الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991، لتعمّق رسم الملامح الحادَّة لهذا النظام، وتأخذه نحو سياق أحادي تنفرد فيه الولايات المتحدة بالعالم، كما يتعاظم الاقتصاد العالمي المفتوح والأسواق المشتركة والتحالفات ذات الطابع الغربي، وما سُمي لاحقاً «العولمة»، وحلمها الذي وعد بالحد من احتمالات نشوب الصراع بين الدول والقوى الكبرى، لكن التاريخ ذلك المعلم الملهم مضى في اتجاه آخر، وجاءت لحظةُ الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، لتضع حداً للقوة العسكرية بالمعنى التقليدي، ولتنهض الكيانات ما دون الدولة، والحركات الجهادوية والميليشيات المسلحة بأنواعها وخلفياتها الدينية المتباينة والمتصارعة، لكنها تعمل نحو هدف واحد، وهو تقويض مفهوم الدولة الوطنية، وخلخلة النظام العالمي بتوافقاته ولو كانت هشّة.

لم يقتصر الأمر على العسكرة والسياسة والأمن فدخل الاقتصاد عام 2008، ليضرب بمعوله نموذج الاقتصاد الغربي مع الأزمة المالية، وليكشف عن فاعلين جدد في مقدمتهم الصين التي تحولت سريعاً إلى قوة اقتصادية واستراتيجية كبرى، وليمهّد لعودة روسيا إلى قلب التهديد للقارة العجوز.

ثالثة الأثافي -كما تقول العرب- كانت جائحة كورونا التي كشفت عن هشاشة سلاسل الإمداد، لكنها أيضاً فتحت الباب أمام سرعة التحول الرقمي وربطه بالخدمات واقتصادات التقنية والطاقة.

درس ما بعد الحرب العالمية الثانية أنَّ أي إعادة لتشكيل النظام الدولي لا تتم عبر تحولات متدرجة أو هادئة، فحرب الخليج 1991، مثلاً، لم تكن لتحرير الكويت فقط، بل عكست لحظة تأسيسية لما بعد الحرب الباردة، ويمكن القول إنَّ لحظة السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لم تفجر الحالة في غزة فقط، وإنما دفعت بتخثر الجراح الفلسطينية إلى النزف المؤلم، لكنها في الوقت نفسه ورغم مآسيها المرعبة، دفعت القضية على المستوى الدولي إلى الأمام، ثم إنها أيضاً طرحت معضلة الميليشيات والفصائل ودور الكيانات التي تندرج تحت مفهوم ملتبس ومقنع مثل المقاومة، يخفي تحته إرادة إيرانية للهيمنة والتهديد، عبر الأذرع التابعة لها، لتصل لحظة الانفجار إلى استهداف أمن البحر الأحمر والممرات البحرية لأهم تجارة وسلع وبيانات العالم.

السعودية والدول المتحالفة معها ودول الاعتدال أيضاً تقرأ هذه التحولات بوصفها رسالة تحذيرية، فما يحدث الآن هو بناء طبقة صلبة إقليمية في ظل حالة الانكفاء الاستراتيجي التي تسعى إليها واشنطن، وهذه معادلة تكررت كثيراً في السياق الدولي، فكلما تغيرت الأنظمة الدولية، اضطرت القوى الإقليمية إلى إعادة ترتيب وضعها ريثما تستقر موازين القوى الجديدة.

خصوصية اتفاقية مكة أنَّها تجمع ثلاث دول تمتلك عناصر قوة متكاملة تساند إحداها الأخرى، وهي أيضاً ستواجه تحديات مهمة، من أبرزها الانتقال من مبدأ الدفاع المشترك إلى آليات أعمق للتشاور واتخاذ القرار، وتحديد طبيعة التهديدات التي تستدعي العمل الجماعي، وبناء قابلية التشغيل المشترك بين القوات، وتنسيق الصناعات الدفاعية، وتبادل المعلومات، ووضع تصور للأمن البحري والجوي والدفاع ضد تطور آلات الحرب الرخيصة مثل المسيّرات وتحديات الحرب التقنية والسيبرانية.

يرى توماس رايت، في كتابه الأخير المهم وعنوانه: «نقطة تحول... بايدن وترمب والنظام العالمي المستقبلي»، أنَّ عالم ما بعد الحرب الباردة بلغ نهايته، وأنَّ الاختلافَ بينهما لم يكن حول الحفاظ على النظام القديم، وإنَّما في كيفية التراجع عن أعبائه الثقيلة، في ظل صعود القوى المنافسة وتزايد حاجة القوى الإقليمية والمتوسطة إلى تحمّل مسؤولية أكبر عن أمنها ومصالحها، وينقل فيه عن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عبارة شديدة الدلالة: نحن أمام «قطيعة لا مرحلة انتقالية»، وهذا ما يمكن معه تثمين «اتفاقية مكة» بوصفها خطوة استباقية مهمة، على اعتبار أنَّها استعداد مبكر للحظة لم تكتمل ملامحها بعد، ويمكن مواجهتها بالشراكات والتحالفات وليس بالترقب والانتظار.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«اتفاقية مكة» استقرار لموازين القوى «اتفاقية مكة» استقرار لموازين القوى



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل الملابس الرجالية التي يمكن أن يختارها لترافقه

GMT 21:32 2022 السبت ,22 تشرين الأول / أكتوبر

التحقيق في سرقة قطع أثرية من متحف كلية آثار جامعة سوهاج

GMT 07:54 2020 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أسعار الدواجن في مصر اليوم الخميس 05 تشرين الثاني /أكتوبر 2020

GMT 06:16 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

ديكورات "مودرن" وعمليّة في غرف الجلوس

GMT 02:33 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

عائشة بن أحمد تكشّف عن اشتراكها مع تامر حسني في فيلمه

GMT 00:28 2017 الإثنين ,16 تشرين الأول / أكتوبر

الملك سلمان يؤكد دعمه لاستراتيجية أميركا الحازمة ضد إيران

GMT 18:29 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الفنانة أحلام تشيد بمصممة الأزياء فرح البابطين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt