توقيت القاهرة المحلي 14:57:01 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ما بعد الحرب: سقطت الثقة ولو بقي النظام

  مصر اليوم -

ما بعد الحرب سقطت الثقة ولو بقي النظام

بقلم : يوسف الديني

لم تكن الحرب الدائرة مجرد مواجهة عسكرية مفتوحة على احتمالات متغيرة، بل لحظة فاصلة أعادت تعريف موقع إيران في الإقليم، ليس من حيث القوة فقط، بل من حيث الثقة. وبينما يصعب الجزم بمآلات الحرب في ظل السيولة العالية في الميدان وتبدل المعادلات يومياً، فإن النتيجة الأكثر وضوحاً حتى الآن تتجاوز مسألة بقاء النظام أو سقوطه، لتتمثل في انهيار عميق في رصيد الثقة الذي فقدته إيران، وهو فقدان يبدو أنه غير قابل للاستعادة في المدى المنظور، حتى لو بقي النظام قائماً.

لقد سبقت الحرب محاولات سعودية حثيثة لتفادي التصعيد والانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، انطلاقاً من رؤية استراتيجية ترى أن استقرار الإقليم هو شرط التنمية، وأن الحروب، مهما بدت محدودة، تحمل في طياتها قابلية الانفلات وإعادة تشكيل التوازنات بشكل يصعب احتواؤه. غير أن هذه المقاربة اصطدمت بنمط إيراني قائم على إدارة الأزمات وتغذيتها، وعلى توظيف التوتر كأداة نفوذ، ما أدى إلى تآكل الثقة تدريجياً حتى وصلت إلى نقطة الانهيار مع اندلاع الحرب.

الحرب كشفت أن الإشكالية لا تكمن فقط في سلوك إيران، بل في طبيعة مشروعها ذاته. فالمشروع الذي بُني على الوكلاء والتمدد غير المباشر بدا هشاً حين تعرض لضغط عسكري مركز، كما أن الضبابية التي أحاطت بأهداف الحرب، بين تغيير النظام أو إضعافه، عكست تعقيد التعامل مع حالة مثل إيران. وكما يشير التحليل المرفق، فإن الخيار الأكثر واقعية لم يكن إسقاط النظام بقدر ما هو إضعافه عبر ضرب قدراته العسكرية وتعطيل أدواته الإقليمية، وهو إدراك ضمني لصلابة بنية النظام رغم كل التحديات. إلا أن هذا المسار، حتى لو تحقق جزئياً، لا يعيد إنتاج الثقة، ولا يمنح إيران فرصة للعودة إلى موقع يمكن التعاطي معه كشريك مستقر.

في المقابل، كشفت الحرب عن تحول نوعي في السلوك السعودي، تجلّى في قدرة عالية على ضبط النفس وعدم الانسياق وراء التصعيد، رغم توافر القدرة والحوافز. لم يكن هذا الموقف تعبيراً عن الحذر، بل عن إدراك استراتيجي بأن الحفاظ على المقدرات الوطنية واستمرار مسار التنمية يتقدمان على أي اندفاع نحو مواجهة قد تستنزف الموارد وتربك الأولويات. لقد اختارت السعودية أن تمارس القوة بمعناها الأعمق: القدرة على الامتناع، لا مجرد القدرة على الفعل.

وقد انعكس هذا الخيار في صورة استقرار داخلي لافت، حتى في ذروة الحرب. ففي الوقت الذي كان فيه الإقليم يعيش واحدة من أكثر لحظاته توتراً، كانت المملكة في ذروة نشاطها خلال شهر رمضان في الحرمين الشريفين، واستمرت المؤتمرات الدولية، وانتظمت الحياة اليومية من دون اضطراب يُذكر، إلى حد بدا معه كأن الحرب تدور في جغرافيا بعيدة. هذا المستوى من الاستقرار لم يكن صدفة، بل نتيجة استثمارات طويلة في منظومات الدفاع والأمن، التي أثبتت كفاءة عالية في تحييد التهديدات وحماية المجال الحيوي للدولة.

وإلى جانب هذا النجاح الدفاعي، برز نجاح موازٍ لا يقل أهمية، يتمثل في قدرة السعودية على التحول، في خضم الحرب، إلى حضن اقتصادي وممر آمن. فقد أصبحت المملكة ممراً آمناً لحركة الطيران في الخليج والعراق، ومركزاً لوجيستياً لعبور البضائع نحو أسواق المنطقة، في وقت تعطلت فيه مسارات تقليدية وتعرضت لضغوط كبيرة. هذا الدور لم يعكس فقط جاهزية البنية التحتية، بل أيضاً مرونة النظام الاقتصادي وقدرته على التكيف مع الظروف الصعبة، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز المكانة الإقليمية.

بهذا المعنى، لم تكتفِ السعودية بإدارة تداعيات الحرب، بل أعادت توظيفها لتعزيز نموذجها القائم على الاستقرار والتنمية والانفتاح. وهو ما يبرز الفارق الجوهري بين مشروع يسعى إلى بناء منظومات مترابطة تقلل من احتمالات الفوضى، ومشروع آخر يقوم على استثمار الأزمات وتوسيعها. ومع تآكل أدوات إيران الإقليمية وتراجع قدرتها على التأثير، يصبح هذا الفارق أكثر وضوحاً، ليس فقط في موازين القوة، بل في طبيعة الدور الذي يمكن لكل طرف أن يلعبه في مستقبل المنطقة.

وإذا كانت سيناريوهات الحرب تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، فإن النتيجة الأكثر رسوخاً لا تحتاج إلى انتظار نهايتها. فقد دخلت إيران هذه الحرب وهي تعاني من فجوة ثقة عميقة، وتخرج منها - مهما كان شكل النهاية - بفجوة أوسع. لن تكون قادرة على إعادة بناء مشروعها بالزخم ذاته، ولن تكون قادرة على إيذاء خصومها بالفاعلية نفسها، والأهم أنها لن تكون قادرة على استعادة موقعها كطرف يمكن الوثوق به.

لكن الأهم أن هذه الحرب كشفت تحوّلاً أعمق في طبيعة الصراع نفسه. لم تعد القوة تُقاس فقط بالقدرات التقليدية، بل بقدرة بعض الأطراف على التخريب ورفع كلفة الصراع عبر أدوات منخفضة التكلفة كالمسيّرات، والاستهداف العشوائي الذي يتجاهل قواعد القانون الدولي وحسن الجوار والحد الأدنى من العقلانية السياسية. لقد برز نمط من «الانتحار العسكري» يقوم على توسيع دائرة الخطر من دون حساب للعواقب، واستهداف أطراف لم تكن راغبة في الانخراط في الحرب، بل سعت بكل الوسائل إلى تجنبها. وفي هذا التحول، تتضح المفارقة الكبرى: أن من يملك مشروعاً للاستقرار يحاول تحييد نفسه عن الفوضى، بينما من يقوم مشروعه على الأزمات يسعى إلى تعميمها، حتى لو كان الثمن تعميق عزلته وفقدانه لما تبقى من شرعية أو ثقة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ما بعد الحرب سقطت الثقة ولو بقي النظام ما بعد الحرب سقطت الثقة ولو بقي النظام



GMT 06:29 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

الطريق إلى القدس ورأس الخيمة

GMT 06:26 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

لقمة «هرمز»... والنظام الإيراني

GMT 06:22 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

عندما يصبح النفط سلاحاً

GMT 06:18 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

عن الحرب بوصفها جزءاً من حركة التاريخ

GMT 06:15 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

المغامرة بلبنان دفاعاً عن إيران!

GMT 06:11 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

عن الصين وعتبات التحول الجذري

GMT 06:09 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

دفتر حروب الشرق الأوسط

GMT 07:44 2026 الإثنين ,23 آذار/ مارس

خرافة القبة الحديدية!

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم
  مصر اليوم - إطلالات أنيقة للنجمات خلال الحمل في شهر المرأة

GMT 05:28 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

كيفية يناء علاقة قوية رغم اختلاف الأبراج
  مصر اليوم - كيفية يناء علاقة قوية رغم اختلاف الأبراج

GMT 14:38 2026 الثلاثاء ,24 آذار/ مارس

تيم حسن يتحدث عن النسخة التركية من "الهيبة"
  مصر اليوم - تيم حسن يتحدث عن النسخة التركية من الهيبة

GMT 11:57 2025 الجمعة ,08 آب / أغسطس

أحدث موديلات البدل الرجالية لمظهر عصري

GMT 00:03 2019 الخميس ,03 تشرين الأول / أكتوبر

معسكر مغلق للمصري في القاهرة استعدادًا للاتحاد السكندري

GMT 21:17 2024 الخميس ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد مالك وهدى المفتي يخوضان أولى بطولاتهما في رمضان 2025

GMT 00:12 2025 السبت ,15 شباط / فبراير

وفاة الممثل والكاتب السورى هانى السعدى

GMT 11:00 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

أحدث موديلات العبايات الأنيقة والعصرية هذا العام

GMT 15:56 2022 الإثنين ,17 تشرين الأول / أكتوبر

المصرى يصرف مستحقات اللاعبين قبل انطلاق مسابقة الدوري

GMT 05:16 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

"شاطىء الفشار" في فويرتيفنتورا يُثير دهشة محبي السفر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt