توقيت القاهرة المحلي 11:54:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الصعود السعودي وصناعة الاستقرار الإقليمي

  مصر اليوم -

الصعود السعودي وصناعة الاستقرار الإقليمي

بقلم : يوسف الديني

في عالم تتقاطع فيه الانقسامات الجيوسياسية، وانحسار النظام الأحادي القطبي، وصعود قوى جديدة، تبرز السعودية بوصفها قوة صاعدة تسعى ليس فقط إلى تثبيت مكانتها، بل إلى إعادة تشكيل ملامح الاستقرار الإقليمي بوسائل جديدة وخطاب مختلف.

هذا الدور الذي تتبناه الرياض اليوم لم ينبع من فراغ، بل هو نتاج تحولات داخلية عميقة، ومراجعة شاملة لعلاقاتها التقليدية وتحالفاتها الاستراتيجية، ضمن رؤية متكاملة لإعادة تعريف مكانتها بصفتها دولة محورية في نظام دولي آخذ بالتغير.

المملكة التي لطالما مثّلت حجر زاوية في معادلات الأمن والطاقة في الشرق الأوسط، وجدت نفسها خلال العقد الماضي، أمام جملة من التحديات التي فرضت عليها إعادة هندسة مقاربتها للداخل والخارج. على المستوى الداخلي، جاءت «رؤية 2030» بوصفها إطاراً شاملاً لإصلاح اقتصادي واجتماعي يقوده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، هدفه تقليص الاعتماد على النفط، وجذب الاستثمارات، وتحديث البنية المجتمعية والثقافية للدولة، بما يجعلها أكثر تنافسية وانفتاحاً. غير أن هذا المشروع الطموح سيتعزز أكثر عندما تكون البيئة الإقليمية مستقرة، وهو ما أعاد صياغة أولويات السياسة الخارجية السعودية.

ورغم ما قيل ويقال عادة مع كل نقطة تأكيد على التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة والمملكة، فإنَّه لم يعد بإمكان السعودية الاعتماد فقط على الضمانات الأميركية التي شكّلت لسنوات طويلة أساس التحالف الاستراتيجي بين الرياض وواشنطن. فخلال الإدارات الأميركية المتعاقبة، خصوصاً في عهدي باراك أوباما ثم جو بايدن، بدا واضحاً أن الشرق الأوسط لم يعد في صدارة أولويات السياسة الخارجية الأميركية، مقابل التركيز الزائد على الصراع مع الصين وروسيا. هذا الانكفاء النسبي، مقترناً بتذبذب السياسات تجاه ملفات حساسة، مثل إيران والتدخلات السيادية، دفع المملكة إلى اتخاذ سياسة خارجية أكثر استقلالية ومرونة، وسعت إلى تنويع شركائها على المستوى الدولي. الصين باتت الشريك التجاري الأول، والتقارب معها شمل ملفات استراتيجية مثل البنية التحتية، والتكنولوجيا، والتعاون العسكري المحدود. وفي الوقت ذاته، لم تلغِ السعودية ارتباطها الأمني الوثيق بالولايات المتحدة، بل حاولت أن تعيد تعريف هذا الارتباط عبر مفاوضات دفاعية ملزمة، تضمن أمن المملكة مقابل التزامات سياسية واقتصادية أوضح من واشنطن.

أدّت هذه المقاربة الجديدة إلى مشهد خارجي سعودي أكثر تنوعاً، تحولت فيه المملكة إلى فاعل دبلوماسي نشط على مختلف الجبهات. من استضافة قمة جدة للسلام، إلى التوفيق في تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، مروراً بدور الصين في إنهاء القطيعة مع طهران، وسعي المملكة لتكون حلقة وصل لا خصماً في النزاعات الكبرى. لم تعد الرياض تكتفي بلعب دور الموازن الإقليمي، بل أصبحت ترى في نفسها قوة صاعدة ذات مسؤولية، تسعى إلى تسوية النزاعات لا إشعالها، وبناء الاستقرار لا الارتهان لمحاور متقلبة.

هذه المقاربة تجلّت أيضاً في الموقف من حرب غزة، فالسعودية عزّزت موقفها التاريخي في نصرة القضية الفلسطينية العادلة ضد وحشية إسرائيل عبر قيادة تحالف دبلوماسي دولي يدعو لإقامة دولة فلسطينية تجسيداً لنقطة ارتكاز مركزية في الرؤية السعودية الجديدة، وهي أنه لا استقرار في المنطقة من دون عدالة للفلسطينيين، ولا اتفاقيات من دون أفق سياسي واحد يفضي إلى حل الدولتين، وقبل كل شيء توقف آلة الحرب ضد المدنيين والأبرياء، الأمر الذي بدا اليوم محل إجماع في العالم، وشكّل عامل ضغط يتنامى على الإدارة الأميركية، وبحسب منصة «أكسيوس» نقلاً عن مسؤولين في البيت الأبيض بالأمس، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشعر بالإحباط من الحرب الدائرة في غزة، وبانزعاج من صور معاناة الأطفال الفلسطينيين. وقد طلب من مساعديه أن يُطالبوا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإنهاء الأمر، وبعيداً عن هذا الانزعاج المتأخر وغير المجدي، فإن العالم اليوم يتحد أمام حرب ضد الأبرياء هي الأكثر دموية في تاريخ الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، حيث أسفرت عن مقتل أكثر من 50 ألف شخص من بينهم آلاف الأطفال.

جزء من الصعود السعودي يستند إلى نجاحات كبيرة خلال السنوات الماضية في تكريس استراتيجية القوة الناعمة، وعلى تموضعها بوصفها قوة استقرار لا مواجهة. من قمم جامعة الدول العربية، إلى تحركاتها في «مجموعة العشرين»، ومن عضويتها في المنتديات الاقتصادية الصاعدة مثل «البريكس»، إلى حضورها في منظمة شنغهاي، تعمل السعودية على إعادة تعريف ذاتها بصفتها قوة دولية في صعود مستمر، تمتلك قرارها وتتحكم في أدواتها، ومنها اليوم التحشيد لمنطقة مستقرة، وحل عادل لمأساة فلسطين.

لا يمكن فهم الصعود السعودي الذي سُلطت عليه الأضواء منذ زيارة ترمب الأخيرة إلى الرياض، خصوصاً في الصحافة الغربية، إلا بوصفه جزءاً من مشروع أشمل لإعادة تشكيل المنطقة. فبينما يتراجع النموذج الإيراني تحت وطأة العقوبات والانكفاء الإقليمي، وبينما تغيب المشاريع الشمولية برافعات آيديولوجية، تبرز الرياض بوصفها صوتاً مختلفاً، أكثر واقعية من الشعارات، وأكثر تصميماً من التحالفات التقليدية، وأكثر وعياً من أن تُركن لأي طرف من دون حساب. إنها لحظة تاريخية تُختبر فيها قدرة المملكة على صناعة التوازن من قلب الفوضى، وترسيخ الاستقرار بوصفه رافعة للتحول الوطني الذي يكون المواطن والمواطنة عماده الأول.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الصعود السعودي وصناعة الاستقرار الإقليمي الصعود السعودي وصناعة الاستقرار الإقليمي



GMT 08:36 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

شروط القمرة

GMT 08:34 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بداية النهاية للترمبية كما تزعم «واشنطن بوست»؟!

GMT 08:32 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ما بعد دافوس: من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

GMT 08:29 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

تشويه الإصلاح مقامرة بلبنان!

GMT 08:26 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

روح السعودية الجديدة تكمن في إدارة الحركة

GMT 08:23 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الطاقة في الأراضي الفلسطينية

GMT 08:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

عن تقلّبات الطقس والسياسة

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الولادات شاغلة البال عربياً ودولياً

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 09:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل
  مصر اليوم - أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل

GMT 11:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
  مصر اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 10:58 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

نتنياهو يمثل أمام المحكمة للرد على تهم الفساد للمرة الـ 75
  مصر اليوم - نتنياهو يمثل أمام المحكمة للرد على تهم الفساد للمرة الـ 75

GMT 14:11 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 02:31 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الجليسيرين المكوّن السحري لترطيب البشرة وحمايتها

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 11:51 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

إيهما الأهم القيادة أم القائد ؟

GMT 07:29 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

أفضل عطور موسم خريف وشتاء 2025-2026

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 02:22 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

تأثير ألعاب الفيديو على الدماغ

GMT 10:11 2023 الخميس ,13 إبريل / نيسان

موضة الأحذية في فصل ربيع 2023

GMT 21:55 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

الزمالك يفوز على الزهور 89-51 في دوري كرة السلة

GMT 07:12 2021 الإثنين ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

الدكتور خالد العناني يستعرض تاريخ وقصة اكتشاف معبد أبو سمبل

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 09:30 2017 الأحد ,04 حزيران / يونيو

تعرفِ على طريقة عمل الدجاج على الجمر

GMT 16:48 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الكشف عن قميص المنتخب المصري في مونديال روسيا 2018

GMT 19:18 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

ناسا تخطط لبناء مفاعل نووي على سطح القمر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt