توقيت القاهرة المحلي 09:48:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الاعتدال الديني مسؤولية مستدامة

  مصر اليوم -

الاعتدال الديني مسؤولية مستدامة

بقلم - يوسف الديني

ربما كان موسم رمضان هذه السنة من المواسم القليلة التي يمكن اختبار الحالة الدينية بعيداً عن مؤثرين مهمين؛ الأول تصدر مسألة الإرهاب والتطرف في المشهد اليومي، والثاني تراجع استهداف دول الاعتدال، وفي مقدمتها السعودية، من خلال الملف الديني، إضافة إلى تحوّلات جذرية في الحالة الدينية عبر دخول لاعبين جدد من الثقافة إلى التراث وصولاً إلى الإعلام الجديد بأدواته ولغته، ما ساهم في فض الاحتكار عن واحد من أهم الروافد الروحية للبشرية في العالم والأكثر إلحاحاً وفقاً لكثير من الدراسات ومراكز الأبحاث التي ترصد الحالة الدينية والروحية وموجات العودة للجذور والذات والهويّات الأساسية ومنها المكون الروحي والديني.
الملاحظة الأولى وأنا أتابع الحالة الدينية منذ 3 عقود تقريباً هي انتقالها من الفردانية إلى المأسسة التي لا تزال بحاجة إلى كثير من البرامج والاستدامة؛ خصوصاً مع فترات الاختطاف التي امتدت لعقود بسبب تغول الإسلام السياسي ثم جماعات العنف التي أنتجته وضعف المؤسسات الرسمية عن الوصول للفئات المستهدفة بأدواتها ولغتها وتمركز المقولات الدينية في تشكّلات (فرق، مذاهب، شخصيات مؤثرة) لم تعد قادرة على الانتشار الأفقي وليس هذا دورها قدر أن تشكل الرؤى والأفكار الأساسية والتخصص، وهذا ما أنتج في تجربة المؤسسات الغربية حتى نماذج من التجارب الروحية الشرقية ما أطلق عليه «الدين اليومي» بمعنى التلبس بالحالة الدينية من دون الخوض في تعقيدات الخلافات والتخصص، وهو قريب مما عرفته التجربة الإسلامية في العصور المبكرة بـ«المجمع عليه» ولاحقاً «دين الجماعة».
اليوم من يتابع ما تحاول منصات الإعلام والقنوات المختلفة استثماره في المواسم الدينية من محتوى ديني رغم تخلصه من مسألة الاعتماد على تيارات وجماعات بعينها وقع في فخ تنميط الأشخاص وتحويلهم إلى أيقونات ونجوم مشاهدة رغم انحسار ظاهرة الدعاة الجدد حتى شخصيات التجديد الديني الذي لم يصل لشرائح كثيرة من المجتمع بسبب نخبويته وبعده عن جذر ونسغ المقولة الدينية، وهو سهولة اللغة ومباشرتها والقدرة على تحريك العاطفة والتأثير، ومنها ظهرت تيارات أخرى تحاول أن تستنسخ تجارب روحية مصطنعة بعيدة عن سياقها المجتمعي وكررت نفس مآزق الإسلام السياسي من التحول إلى طائفة واستغلال الناس، وأقرب مثال انتقال كثير من المعسكر الثاني إلى الأول عبر دورات تطوير الذات أو دورات الإرشاد الروحي والنفسي من دون تأصيل أو منهجية علاوة على التخصص.
اليوم هناك حاجة ملحة إلى الاهتمام بالمكون الديني من زاوية بحثية كأحد أهم جوانب الأمن الفكري، وكلنا يدرك الدور الكبير الذي لعبته المراكز الفكرية في معركة الحرب على التطرف ومنها مركز اعتدال، واليوم هناك حاجة أكبر إلى مشروع «استدامة الاعتدال» باعتباره استراتيجية تبلي الدافع المتجدد للدين والروحانية والإسلام المعتدل من دون حالة ضعف أو فراغ تمكن من إعادة إنتاج مشكلة اختطافه مجدداً.
الاعتدال الديني اليوم ليس مطلباً ترفياً للمنطقة ولا للعالم مع تداخل المسألة الدينية وتمدد تحدياتها المتصلة بالهوية والهجرات واستقرار بؤر التطرف في قلب العالم الغربي، فهو اليوم يعد آخر نقطة عبور لأزمة صراع على المعنى بين الإسلام السياسي من جهة وبين الأنظمة السياسية التي بدأت تتعافى من ضغط التطرف المهدد لاستقرارها، لكن هناك أدواراً أهم في إدماج الحالة الدينية والاعتدال ضمن برامجها طويلة الأمد كأحد أهم روافد الأمن الفكري الذي لا يقل أهمية عن الاقتصادي والسياسي والغذائي.
الإطلالات الأخيرة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان مهندس رؤية 2030، التي يراهن عليها السعوديون اليوم وكثير من العقلاء في المنطقة، وحواراته، شملت جوانب مهمة عن مسألة إدماج الاعتدال الديني والقيم الإسلامية الأساسية في الرؤية، باعتبار أن الاعتدال الفكري والتسامح الديني في الرؤية السعودية الجديدة ليس خياراً أو مجرد شعارات دعائية أو رسائل للخارج؛ بل مطلب ملحّ لمنع العوائق ضد مشروعات التنمية المقبلة التي تتطلب تحرير الفرد السعودي من قائمة طويلة من الملفات العالقة في التشابك الديني السياسي والاقتصادي في خطابنا المعاصر، التي لا تخرج عن كونها موضع اجتهاد يقابله اجتهاد مثله، هناك اليوم حاجة إلى تحويل هذه الإشارات المهمة إلى برنامج مستدام ومنهجي مبني على مؤشرات للحالة الدينية وتعافيها كرافد مهم للحياة اليومية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الاعتدال الديني مسؤولية مستدامة الاعتدال الديني مسؤولية مستدامة



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt