توقيت القاهرة المحلي 15:27:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

صدام الحضارات... الجزء الثاني

  مصر اليوم -

صدام الحضارات الجزء الثاني

بقلم : حسين شبكشي

الحرب التجارية الضروس بين الولايات المتحدة الأميركية والصين في ظاهرها تبدو أنها معركة «طحن وتكسير عظام حتى النخاع» وأنها ملحمة اقتصادية بحتة، الغرض منها حسم الهيمنة المالية على أسواق العالم. إلا أن هناك مَن يرى أن ما يحصل الآن هي الترجمة العملية على أرض الواقع للجزء الثاني مما تم طرحه من قِبل الكاتب الأميركي الشهير صاموئيل هنتنغتون في كتابه الصادر في عام 1996 بعنوان «صدام الحضارات: إعادة تشكيل النظام العالمي الجديد». وفي الكتاب كان الكاتب يتوقَّع أن تكون هناك مواجهات مدمِّرة بين الغرب والعالم الإسلامي نظراً «لاختلاف القيم والأهداف بين الثقافتَين مما يجعلهما في حالة مواجهة مستمرة وقلق متواصل» بحسب رأي المؤلف. ومما أكسب الكتاب قبولاً واسعاً على صعيد القراءة العامة ما حدث لاحقاً من أحداث كبرى بدأت بما حصل في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، وما تلاها من تداعيات في أفغانستان والعراق والصومال عزَّزت من الفكرة المطروحة في هذا الكتاب الشهير.

ولكنّ هناك طرحاً آخر تم تقديمه في الكتاب لم يلقَ الاهتمام والمتابعة نفسيهما، ويبدو أن هذا سيتغير الآن. والمقصود هنا هو تركيزه على المواجهة المقبلة مع الصين. هو في حقيقة الأمر لم يقدِّم المواجهة بين دولتين بالشكل التقليدي المعروف، ولكنه ركَّز على «الحضارة الصينية»، التي تعدّ الصين قلبها، ولكنها تضم أيضاً كل قوى الصين المتعاظمة حول العالم على شكل جاليات نافذة وذات تأثير اقتصادي في غاية الأهمية، مثل الموجودين في إندونيسيا والفلبين وماليزيا وتايلاند وسنغافورة وتايوان، وأضاف المؤلف لهم الموجودين في كوريا وفيتنام.

كان المؤلف يشدِّد دوماً على أن الهويات الثقافية المميزة للحضارات ستكون وقود التصادم الأول، وأهم محفِّز على استمرارية الصراع.

ولا شك أن البروز المهم للثقافة الصينية بالمعنى العريض والواسع للكلمة غذَّاه التألق الهائل للاقتصاد الصيني ومعه النمور الآسيوية هي الأخرى، وبدأت الثقافة الصينية بالتالي تسجِّل حضوراً أكبر على ساحات أوسع بثقة لا يمكن إغفالها.

ومع ازدياد أهمية مكانة مجتمع الحضارة الصينية العريض والمؤثر، بدأت قيمه وثقافته تشهد اختلافات حادة مع ما كانت تطرحه الولايات المتحدة الأميركية من قيم روَّجت لها أنها «قيم عالمية»، ولكن هذا ثبت أنه ليس بالضرورة كذلك فيما يتعلق بدول الحضارة الصينية.

وهناك قناعة في الغرب بأن الطموح الطبيعي للصين هو الهيمنة على شرق آسيا، وأن دول المنطقة هذه ستنضم إلى القافلة، وتُسلَّم بالتبعية للصين نظراً للجذور العميقة والمترسبة التي تحترم التراتبية الهرمية في الشرق، على عكس القيم الغربية التي تركز على الفرد والفردية.

خلاصة استنتاج المؤلف كانت أن الصين ليست الاتحاد السوفياتي الآخر، ولكنه رأى مسألة أكثر تعقيداً تنبع من صدام قيم، وأهداف متناقضة، وتغيير في موازين القوى مع ازدياد النفوذ الصيني. وهذه القراءة يعاد توظيفها بقوة في دوائر صناعة القرار في الغرب، وتلقى قبولاً وتجاوباً عريضَين في ظل المناخ السياسي الجديد المملوء بالقلق والتوتر.

هناك فريق داخل الإدارة الأميركية يرحِّب بهذا الطرح المتشنج، والتركيز على فكرة أن الصينيين «مختلفون عنا»، وعليه تجوز «معاقبتهم»، ولكن قد تكون المسألة الأكثر إدهاشاً هي أن الدولة الرأسمالية الأكبر، أي الولايات المتحدة، تقود الآن أكثر سياسات حمائية وتقييداً للأسواق المفتوحة والاقتصاد الحر، بينما يقاوم «الحزب الشيوعي الصيني» بكل الطرق أي محاولة لإغلاق السوق وتقييد التجارة الدولية الحرة. هذا بحد ذاته صدام الحضارات والثقافات الحقيقي.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صدام الحضارات الجزء الثاني صدام الحضارات الجزء الثاني



GMT 14:55 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

دول الخليج العربية والنخب الصامتة

GMT 14:54 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الحرب التي لا تنتهي!

GMT 07:08 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 07:05 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 07:03 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

مشيتُ في جنازة دولةٍ عظمى!

GMT 07:01 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

نذر تقلص وقود المواصلات

GMT 07:00 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

أميركا وأوروبا... شراكة القلق

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 11:15 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt