توقيت القاهرة المحلي 21:49:52 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عندما لا نتشابه

  مصر اليوم -

عندما لا نتشابه

بقلم: حسين شبكشي

لفت نظري تعليق متشابه في كل من العراق ولبنان صادر عن فريق سياسي في البلدين، في تصريح لهم بخصوص المواقف السياسية التي عبر عنها خصومهم، جاء فيه: «إنهم لا يشبهوننا». وعاد بي هذا التصريح الملتهب إلى الجدل الذي لا ينتهي في الدول المختلفة من العالم العربي، والمتعلق بأزمة وصراع الهويات، وهي المشكلة التي لا تزال قائمة وتأخذ أشكالاً مختلفة بحسب الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الخاصة بكل بلد وأوضاعه. فهذه المنطقة من العالم لا تزال تتصارع على تعريف نفسها للعالم بحسب الاسم الذي تعتمده لنفسها، وبالتالي تعرف نفسها للعالم بناء على ذلك... فهل هي منطقة الشرق الأوسط ذات البعد العربي وغير العربي في آن؛ فهي تشمل بالإضافة إلى الدول العربية دولاً أخرى غير عربية مثل تركيا وإسرائيل وقبرص، بل قد تضم حتى أفغانستان والحبشة ومالطا في بعض الأحيان؟ وقد تطور هذا الاسم منذ سنوات ليصبح «الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، فتصبح هذه التسمية أوسع وأشمل جغرافياً مع تركيز لا يمكن إغفاله على البعد الاقتصادي ومنافعه ومزاياه.
جاءت هذه المسميات لتحل بالتدريج بديلاً للمسمى الذي عرفت به المنطقة وهو «الوطن العربي» أو «العالم العربي» الذي كان يركز على إبراز منطقة متجانسة فكرياً واجتماعياً وثقافياً... شعوب عربية الثقافة حتى لو تعددت أعراقها وأصولها؛ لأن الحضارة والثقافة العربية بمفهومها الإنساني هي ثقافة حاضنة وشاملة وجامعة كما أثبت لنا التاريخ بأشكال مختلفة ومتنوعة، وبالتالي يكون من الجهل والتطرف حصرها في عنصر واحد لأنها اتسعت ولا تزال تتسع للكردي والأفريقي والآسيوي والأرمني والأمازيغي... ولكثير غيرهم. مواطنون اندمجوا بالكامل في أوطانهم العربية، وكانوا منتجين وناجحين ومميزين في مجالات عديدة ومختلفة.
التضييق العنيف بالعنصرية والتطرف والتمييز ضد هذا النوع من التعريف بهوية العالم العربي هو الذي تطور ليصبح الصوت الأعلى فيه الصوت الطائفي والمذهبي والمناطقي الضيق؛ لأنه يعتمد على تعريفات شديدة المحدودية لمعنى ومفهوم الانتماء لمنطقة كانت تعرف يوماً باسم «العالم العربي». وما ينطبق على المعنى العريض لمفهوم الانتماء في «العالم العربي» ينطبق بصورة مصغرة على فكرة الانتماء لمعظم الأوطان العربية.
ما الذي يجعل أبناء الوطن الواحد «يتشابهون» بحسب الكلمة الواردة في أول المقال بناء على التعليق السياسي المذكور؟ في اعتقاد أحد القانونيين المرموقين الذين استضافتهم قناة إخبارية معروفة، أن السبب الحقيقي في الإحساس الحقيقي بالتشابه المقصود بين المواطنين وبعضهم بعضاً، هو الطمأنينة تجاه فكرة المواطنة السوية، والثقة بتكافؤ الفرص، واعتمادية ومصداقية المنظومة القضائية، وقتها يكون الإحساس الراسخ بأن الكل يشبه بعضه بعضاً تحت هذا السقف. وهناك أمثلة قديمة على سلاسة وانسيابية الإرث التاريخي للهويات، ولعل المثل الصارخ والمهم لذلك هو حضارة البحر المتوسط الذي كان لفترة غير بسيطة مهد الحضارات العالمية منذ فجر التاريخ وصولاً لحقبة القرن التاسع العشر، فعلى سواحله جرى احتضان ثقافات بلاد النهرين وبلاد الشام ومصر التاريخية، مع عدم إغفال الجوانب الإغريقية والرومانية، وعرفت أيضاً الظهور المبكر للحضور البابلي والكنعاني والآشوري والفرعوني والفينيقي والسومري، وانعكس هذا المناخ الثقافي العميق في منطقة جغرافية واحدة على العلاقات بين شعوبها ودولها في بدايات القرن العشرين، لتشهد نجاحات سياسية واقتصادية وثقافية وفنية واجتماعية بشكل لا يمكن إنكاره ولا إغفاله أبداً.
هناك دول وشعوب في حالة سلام عميق وعظيم مع ذاتها لقناعتها بأن تعريف الهوية والانتماء فيها هو تعريف شمولي وواسع؛ بعيداً تماماً عن التعريفات المحدودة والضيقة المسمومة. لم يكن تعليق المسؤول السياسي عن الفريق الخصم بقوله «إنهم لا يشبهوننا» مستغرباً مطلقاً بالقياس لحالة التقسيم والتشرذم الديني والمذهبي والطائفي والعرقي والمناطقي الموجودة في كل من العراق ولبنان، ففي هذا المناخ الملغم والمسموم يصبح من الطبيعي ألا يشبه أحد الآخر. ولعل أهم من كتب في الأمر بإسهاب وبعمق بليغ وعن تجربة شخصية ثرية، هو الكاتب الكبير اللبناني االاسملأصل والفرنسي الجنسية أمين معلوف الذي أجاب حينما سئل عن الهوية فقال: «الهوية لا تتجزأ أبداً ولا تتوزع أنصافاً أو أثلاثاً أو مناطق منفصلة»، وهو يذكرنا بمقولة شهيرة للفيلسوف الفرنسي الراحل روجيه غارودي قال فيها: «إن المصدر الأساسي لكل أصولية اليوم هو قمع واضطهاد هوية مُتحدها ثقافتها أو دينها».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عندما لا نتشابه عندما لا نتشابه



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 11:52 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

دعاء المطر والرزق السريع

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 09:29 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج الميزان

GMT 09:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:43 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

برج الثور عليك أن تعمل بدقة وجدية لتحمي نفسك

GMT 23:03 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

قواعد وإتيكيت إهداء الورود في المناسبات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt