توقيت القاهرة المحلي 21:51:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مدافع نافارون… ومضيق هرمز: حين تتحوّل الجغرافيا إلى سلاح

  مصر اليوم -

مدافع نافارون… ومضيق هرمز حين تتحوّل الجغرافيا إلى سلاح

بقلم - محمد الرميحي

في رواية "مدافع نافارون"، وهي رواية متخيلة من خلال أحداث الحرب العالمية الثانية حُوّلت إلى فيلم مشوق، عبارة عن مدفعين ضخمين على خليج ضيق (متخيل في الجزر اليونانية) حوصرت فيه كتيبة للحلفاء، ولم يكن بالإمكان إنقاذهم إلا بتدمير تلك المدافع المحصنة، وإلا تعرضوا للفناء. وتعرض الرواية (الفيلم) قصة ذلك التدمير الشجاعة، والمُشاهد يحبس أنفاسه. لم يكن التفوق الألماني قائماً على كثرة الجنود أو اتساع الانتشار، بل على فكرة أبسط، وضع سلاح حاسم في موقع حاكم.

مدفعان فقط، لكنهما في المكان الصحيح، استطاعا أن يشلا حركة أسطول كامل، ويمنعا عملية إنقاذ واسعة. تلك الفكرة المتخيلة أدبياً تحولت مع الزمن إلى أحد أهم مفاهيم التفكير العسكري الحديث: ليست القوة في حجمها، بل في موضعها.

اليوم، لا تبدو هذه الفكرة بعيدة عن الواقع، بل تكاد تتجسد حرفياً في مضيق هرمز. ذلك الممر الضيق الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط المنقول بحراً في العالم، ونصف تقريباً المخصبات الزراعية، أصبح أقرب إلى "نافارون" حقيقية، لا مدافع فيها بالمعنى الكلاسيكي، بل شبكة من الأدوات، صواريخ ساحلية، زوارق سريعة، ألغام بحرية، وطائرات مسيّرة. أدوات قد تبدو متفرقة، لكنها حين توضع في هذا الموقع الجغرافي بالذات، تتحول إلى قوة تعطيل هائلة.

إيران، التي تدرك محدودية قدرتها على خوض مواجهة تقليدية مفتوحة مع قوى كبرى، طورت عبر السنوات ما يمكن تسميته "استراتيجية نافارون"، تعظيم الأثر بأدوات محدودة عبر السيطرة على نقطة اختناق لشريان عالمي. هي لا تحتاج إلى إغلاق المضيق فعلياً بشكل دائم، يكفي أن تخلق تهديداً جدياً بإغلاقه، أو أن تنفذ ضربات متقطعة تربك حركة الملاحة، ليتحول الخوف ذاته إلى أداة ردع.

لكن، كما في الرواية، فإن كل نقطة قوة مركّزة تحمل في داخلها نقطة ضعف مركّزة. مدافع نافارون كانت قادرة على السيطرة على البحر، لكنها كانت ثابتة، معروفة الموقع، وقابلة للتدمير عبر عملية نوعية دقيقة. وهذا ما يفتح السؤال الأهم: كيف يمكن فك "حصار نافارون" في نسخته المعاصرة، أي مضيق هرمز؟

الجواب لا يكمن في المواجهة الشاملة، بل في تفكيك عناصر القوة نفسها.

أولاً، تحييد القدرة على الإغلاق، وليس السيطرة على الجغرافيا. فالمضيق، بطبيعته، لا يمكن "احتلاله" بالكامل، لكن يمكن تقليل فاعلية أدوات التعطيل عبر عمليات استباقية تستهدف منصات الصواريخ، ومخازن الألغام، وقواعد الزوارق السريعة. أي ضرب "الأدوات" بدل الاشتباك مع "المجال". وهذا ما يحدث.

ثانياً، كسر الاحتكار الجغرافي:

جزء من قوة هرمز أنه ممر شبه إلزامي، لكن الاستثمار في بدائل - مثل خطوط الأنابيب النفطية البرية عبر السعودية والإمارات إلى بحر العرب - أو سكة حديد حديثة، يقلل من مركزية المضيق، ويحوّل التهديد من "خنق كامل" إلى "إزعاج جزئي" يمكن التعايش معه، و حرمان إيران من فوائده على المدى الطويل.

في عالم الطاقة، وسلسلة الإمدادات، التنويع في وسائل النقل، ليس اقتصاداً فقط، بل أمن استراتيجي طويل المدى.

ثالثاً، بناء مظلة حماية دائمة للملاحة.

ليس عبر ردود فعل موقتة، بل من خلال وجود بحري مستمر، وتقنيات متقدمة لكشف الألغام وتدمير الطائرات المسيّرة، وتنسيق إقليمي ودولي فعال يجعل أي محاولة إغلاق مكلفة سياسياً قبل أن تكون عسكرياً. هنا يتحول المضيق من "نقطة ضعف" إلى "نقطة مراقبة مكثفة".

رابعاً، وهو الأهم، نقل المعركة من الجغرافيا إلى السياسة. فاستراتيجية "نافارون" تقوم على استثمار التوتر، وكلما زادت عزلة النظام الذي يستخدمها الرافضون للإغلاق، زادت رغبته في توظيفها. تقليل الدوافع السياسية للتصعيد - عبر توازنات ردع واضحة، ورسائل حازمة، وقنوات مفتوحة - يقلل من احتمالية تحويل التهديد إلى فعل دائم.

في النهاية، لا تختلف نافارون المتخيلة كثيراً عن هرمز الواقعي، إلا في الوسائل. الفكرة واحدة: نقطة ضيقة يمكن أن تتحكم في فضاء واسع. لكن الدرس الأهم الذي تقدمه القصة، ويتكرر في الواقع، هو أن السيطرة المطلقة وهم. كل "مدفع" يمكن الوصول إليه، وتفجيره، وكل "مضيق" يمكن الالتفاف عليه، وكل ردع متمركز يحمل في داخله حدود صلاحيته. الدرس الأوضح: أن من يراهن على الجغرافيا وحدها قد يربح الوقت، و لكنه يخسر المعركة!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مدافع نافارون… ومضيق هرمز حين تتحوّل الجغرافيا إلى سلاح مدافع نافارون… ومضيق هرمز حين تتحوّل الجغرافيا إلى سلاح



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt