توقيت القاهرة المحلي 18:05:53 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مدافع نافارون… ومضيق هرمز: حين تتحوّل الجغرافيا إلى سلاح

  مصر اليوم -

مدافع نافارون… ومضيق هرمز حين تتحوّل الجغرافيا إلى سلاح

بقلم - محمد الرميحي

في رواية "مدافع نافارون"، وهي رواية متخيلة من خلال أحداث الحرب العالمية الثانية حُوّلت إلى فيلم مشوق، عبارة عن مدفعين ضخمين على خليج ضيق (متخيل في الجزر اليونانية) حوصرت فيه كتيبة للحلفاء، ولم يكن بالإمكان إنقاذهم إلا بتدمير تلك المدافع المحصنة، وإلا تعرضوا للفناء. وتعرض الرواية (الفيلم) قصة ذلك التدمير الشجاعة، والمُشاهد يحبس أنفاسه. لم يكن التفوق الألماني قائماً على كثرة الجنود أو اتساع الانتشار، بل على فكرة أبسط، وضع سلاح حاسم في موقع حاكم.

مدفعان فقط، لكنهما في المكان الصحيح، استطاعا أن يشلا حركة أسطول كامل، ويمنعا عملية إنقاذ واسعة. تلك الفكرة المتخيلة أدبياً تحولت مع الزمن إلى أحد أهم مفاهيم التفكير العسكري الحديث: ليست القوة في حجمها، بل في موضعها.

اليوم، لا تبدو هذه الفكرة بعيدة عن الواقع، بل تكاد تتجسد حرفياً في مضيق هرمز. ذلك الممر الضيق الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط المنقول بحراً في العالم، ونصف تقريباً المخصبات الزراعية، أصبح أقرب إلى "نافارون" حقيقية، لا مدافع فيها بالمعنى الكلاسيكي، بل شبكة من الأدوات، صواريخ ساحلية، زوارق سريعة، ألغام بحرية، وطائرات مسيّرة. أدوات قد تبدو متفرقة، لكنها حين توضع في هذا الموقع الجغرافي بالذات، تتحول إلى قوة تعطيل هائلة.

إيران، التي تدرك محدودية قدرتها على خوض مواجهة تقليدية مفتوحة مع قوى كبرى، طورت عبر السنوات ما يمكن تسميته "استراتيجية نافارون"، تعظيم الأثر بأدوات محدودة عبر السيطرة على نقطة اختناق لشريان عالمي. هي لا تحتاج إلى إغلاق المضيق فعلياً بشكل دائم، يكفي أن تخلق تهديداً جدياً بإغلاقه، أو أن تنفذ ضربات متقطعة تربك حركة الملاحة، ليتحول الخوف ذاته إلى أداة ردع.

لكن، كما في الرواية، فإن كل نقطة قوة مركّزة تحمل في داخلها نقطة ضعف مركّزة. مدافع نافارون كانت قادرة على السيطرة على البحر، لكنها كانت ثابتة، معروفة الموقع، وقابلة للتدمير عبر عملية نوعية دقيقة. وهذا ما يفتح السؤال الأهم: كيف يمكن فك "حصار نافارون" في نسخته المعاصرة، أي مضيق هرمز؟

الجواب لا يكمن في المواجهة الشاملة، بل في تفكيك عناصر القوة نفسها.

أولاً، تحييد القدرة على الإغلاق، وليس السيطرة على الجغرافيا. فالمضيق، بطبيعته، لا يمكن "احتلاله" بالكامل، لكن يمكن تقليل فاعلية أدوات التعطيل عبر عمليات استباقية تستهدف منصات الصواريخ، ومخازن الألغام، وقواعد الزوارق السريعة. أي ضرب "الأدوات" بدل الاشتباك مع "المجال". وهذا ما يحدث.

ثانياً، كسر الاحتكار الجغرافي:

جزء من قوة هرمز أنه ممر شبه إلزامي، لكن الاستثمار في بدائل - مثل خطوط الأنابيب النفطية البرية عبر السعودية والإمارات إلى بحر العرب - أو سكة حديد حديثة، يقلل من مركزية المضيق، ويحوّل التهديد من "خنق كامل" إلى "إزعاج جزئي" يمكن التعايش معه، و حرمان إيران من فوائده على المدى الطويل.

في عالم الطاقة، وسلسلة الإمدادات، التنويع في وسائل النقل، ليس اقتصاداً فقط، بل أمن استراتيجي طويل المدى.

ثالثاً، بناء مظلة حماية دائمة للملاحة.

ليس عبر ردود فعل موقتة، بل من خلال وجود بحري مستمر، وتقنيات متقدمة لكشف الألغام وتدمير الطائرات المسيّرة، وتنسيق إقليمي ودولي فعال يجعل أي محاولة إغلاق مكلفة سياسياً قبل أن تكون عسكرياً. هنا يتحول المضيق من "نقطة ضعف" إلى "نقطة مراقبة مكثفة".

رابعاً، وهو الأهم، نقل المعركة من الجغرافيا إلى السياسة. فاستراتيجية "نافارون" تقوم على استثمار التوتر، وكلما زادت عزلة النظام الذي يستخدمها الرافضون للإغلاق، زادت رغبته في توظيفها. تقليل الدوافع السياسية للتصعيد - عبر توازنات ردع واضحة، ورسائل حازمة، وقنوات مفتوحة - يقلل من احتمالية تحويل التهديد إلى فعل دائم.

في النهاية، لا تختلف نافارون المتخيلة كثيراً عن هرمز الواقعي، إلا في الوسائل. الفكرة واحدة: نقطة ضيقة يمكن أن تتحكم في فضاء واسع. لكن الدرس الأهم الذي تقدمه القصة، ويتكرر في الواقع، هو أن السيطرة المطلقة وهم. كل "مدفع" يمكن الوصول إليه، وتفجيره، وكل "مضيق" يمكن الالتفاف عليه، وكل ردع متمركز يحمل في داخله حدود صلاحيته. الدرس الأوضح: أن من يراهن على الجغرافيا وحدها قد يربح الوقت، و لكنه يخسر المعركة!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مدافع نافارون… ومضيق هرمز حين تتحوّل الجغرافيا إلى سلاح مدافع نافارون… ومضيق هرمز حين تتحوّل الجغرافيا إلى سلاح



GMT 14:55 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

دول الخليج العربية والنخب الصامتة

GMT 14:54 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الحرب التي لا تنتهي!

GMT 07:08 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 07:05 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 07:03 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

مشيتُ في جنازة دولةٍ عظمى!

GMT 07:01 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

نذر تقلص وقود المواصلات

GMT 07:00 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

أميركا وأوروبا... شراكة القلق

GMT 06:58 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

لبنان ضحية عدوانٍ مزدوج

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 11:15 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt