توقيت القاهرة المحلي 02:53:15 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إسرائيل وأرض الصومال

  مصر اليوم -

إسرائيل وأرض الصومال

بقلم : محمد الرميحي

إعلان إسرائيل الاعتراف بـ«أرض الصومال»، بوصفها كياناً منفصلاً عن الدولة الصومالية، يطرح سؤالاً يتجاوز الجغرافيا الأفريقية إلى قلب إشكال الدولة في الشرق الأوسط والعالم النامي. فإسرائيل ليست دولة منتمية إلى القانون الدولي في سياستها الخارجية، ولا تتحرك بدوافع أخلاقية أو قانونية، بل وفق منطق المصلحة الصرفة. لكن السؤال ليس لماذا تفعل إسرائيل ذلك؟ بل لماذا تجد الساحة مهيأة لمثل هذا الفعل؟

الإجابة المباشرة في فشل الدولة، منذ الشقاق بين الصومال وأرض الصومال، بعد انهيار الحكم المركزي في (جمهورية الصومال)، وإعلان استقلال أرض الصومال عام 1991، وإجراء استفتاء وافقت فيه الأغلبية على (الاستقلال/الانفصال)، ولم يعترف العالم بذلك، ولكنه لم يتحرك أيضاً، حتى جاء الاعتراف الإسرائيلي في ديسمبر (كانون الأول) 2025. نحن نتحدث عن ستة وعشرين عاماً تقريباً من ذلك الانفصال، دون حراك جدي لرأب الصدع!

إسرائيل منذ تأسيسها، اعتمدت استراتيجية تقوم على النفاذ إلى مناطق الهشاشة السياسية، واستثمار الفراغات في الجوار، التي تتركها الدول الضعيفة أو المنقسمة. هي لا تصنع الشقوق ، لكنها بارعة في توسيعها والنفاذ منها في الوقت المناسب لها، سواء كانت شقوقاً طائفية أو إثنية أو مناطقية أو ناتجة عن انهيار فكرة الدولة نفسها. هذه السياسة ليست سراً، بل نمط متكرر في سلوكها في الشرق الأوسط وأفريقيا.

غير أن حالة الصومال تفرض مفارقة لافتة. فالصوماليون، بخلاف مجتمعات كثيرة في منطقتنا، لا يعانون انقساماً طائفياً أو دينياً، ولا اختلافاً لغوياً أو إثنياً حاداً. المجتمع الصومالي من نسيج واحد تقريباً من حيث اللغة والدين والهوية العامة. ومع ذلك، فشلت الدولة، وتفككت السلطة المركزية، بسبب فشل النخبة في إدارة الدولة الاتحادية .

عدد من التفسيرات بدأت تظهر على السطح تحاول قراءة المشهد الصومالي، كثير منها ذهب إلى (اليد الخفية الخارجية) وشهية إسرائيل في التطبيع، أو غير ذلك من التفسيرات، ورغم أنها تبدو مقنعة في مجملها، لكنها تتجاوز الإشارة إلى (فشل قيام الدولة الوطنية الجامعة) بعد التخلص من الاستعمار، وأنانية النخب في الحكم، بصرف النظر عن الضرر الذي يصيب جوهر الدولة.

الأمثلة أمامنا واضحة في تدخل إسرائيل لتوسع الشق الوطني، على رأس ذلك تشجيع الانقسام بين غزة والضفة، الذي أصبح معلوماً للكافة، في لبنان استثمرت إسرائيل التعدد الطائفي لتكريس ثنائية الدولة - الحزب، وضربات محسوبة لا تسقط «حزب الله» لكنها تضعف الدولة. وفي سوريا مازالت هناك قضايا في خانة (اللاحسم) ولا بدَّ من حسمها من أجل أن تبقى سوريا ذات سيادة جامعة. في يجري تحويل العراق إلى ساحة تصفيات إقليمية، ويجمع اليوم أهل البصرة في الجنوب تواقيع كي يشكلوا (إقليماً) مشابهاً للإقليم الكردي في الشمال! في السودان تقيم إسرائيل علاقات مع أطراف النزاع، مع اهتمامها بموانئ البحر الأحمر. في إثيوبيا علاقات وثيقة مع رفع مستوى التوتر مع دول مصب النيل (السودان، ومصر)، الهدف من كل ذلك هو إضعاف الدولة المركزية، وتوسيع الشرخ بين القوى السياسية والمجتمعية، مستفيدة من: إما شهية مجموعات للسلطة أو غباء سياسي قصير النظر.

إسرائيل تستفيد من الواقع العالمي الذي يمر بسيولة شديدة، لكنها لم تخلقه. الفشل الحقيقي يكمن في عجز الدولة الوطنية عن بناء عقد اجتماعي متوافق، يشعر فيه المواطن بأن الدولة تمثله وتحمي مصالحه، عندما تغيب هذه القناعة، يصبح البحث عن بدائل أمراً مفهوماً، حتى لو كانت هذه البدائل خارجية أو مثيرة للجدل.

في الشرق الأوسط، درجنا على تفسير كل تدخل خارجي بأنه مؤامرة، ونسينا أن المؤامرات لا تنجح إلا في البيئات الهشة. الدولة القوية بمؤسساتها، لا تُخترق بسهولة. أما الدولة التي تقوم على القسر، أو المحاصصة، أو الغلبة، فإنها تفتح أبوابها بنفسها للتدخلات الخارجية.

الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، لا يغيّر كثيراً في الوضع القانوني الدولي، لكنه يحمل دلالة سياسية. رسالة تقول إن الشرعية لا تعد حكراً على الدولة المركزية، إذا فقدت قدرتها على إدارة أراضيها ومجتمعها. وهذا منطق خطير، لكنه منطق بات حاضراً في النظام الدولي، حيث تُكافأ الوقائع على الأرض، أكثر مما تُحترم النصوص القانونية.

الأخطر من الخطوة الإسرائيلية نفسها هو استعداد بعض الكيانات الداخلية للارتهان للقوى الخارجية، بدل العمل على إصلاح الداخل. هذا السلوك ليس حكراً على الصومال، بل نراه في أكثر من دولة عربية، حيث تتحول الخلافات السياسية إلى مشاريع انفصال، أو طلب حماية خارجية، أو تدويل للأزمات المحلية. في هذه اللحظة، تفقد الدولة معناها، ويتحول الوطن إلى ساحة مفتوحة للمصالح المتقاطعة.

القضية إذن أعمق من إسرائيل وأرض الصومال. إنها تعبير عن أزمة كثير من الدول في عالمنا، دول لم تنجح في التحول من سلطة إلى مجتمع سياسي، ومن حكم إلى شراكة، ومن غلبة إلى توافق.

آخر الكلام: الشقاق الوطني أهم سلاح يمنح للخصوم دون مقابل!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إسرائيل وأرض الصومال إسرائيل وأرض الصومال



GMT 03:23 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

اقتراح

GMT 03:21 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

هل سينتهي العالم هذه السنة؟!

GMT 03:18 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

... عن القانون الدولي والنموذج

GMT 03:16 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

سياسة «إذا لم نأخذها نحن... فسيأخذها غيرنا!»

GMT 03:12 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

فنزويلا... كلُّ الطرق تُؤدي إلى واشنطن

GMT 03:10 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

«مؤتمر الرياض» بين حق الجنوب و«الشرعية»

GMT 03:08 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

ستارمر... طريق الهروب يضيق

GMT 03:07 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

4 أيام من دون أمِّي

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:53 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

بيومي فؤاد يعتذر لمحمد سلام ويتمنى عودته القوية للفن
  مصر اليوم - بيومي فؤاد يعتذر لمحمد سلام ويتمنى عودته القوية للفن

GMT 18:29 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

ساناي تاكايتشي تدرس الدعوة إلى انتخابات مبكرة
  مصر اليوم - ساناي تاكايتشي تدرس الدعوة إلى انتخابات مبكرة

GMT 13:29 2017 الخميس ,06 إبريل / نيسان

فوائد زيت الزيتون للعناية بالبشرة

GMT 06:16 2025 الجمعة ,21 شباط / فبراير

بسمة وهبة تعود في رمضان 2025 بمفاجآت لا تُصدق

GMT 15:26 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

وكالة "الأونروا" تحذر من خطورة وضعها المالي

GMT 18:12 2021 الإثنين ,04 كانون الثاني / يناير

مدافع الأهلي رامي ربيعة يعلن تعافيه من فيروس كورونا

GMT 22:16 2020 الإثنين ,21 كانون الأول / ديسمبر

4 إصابات جديدة بـ كورونا تضرب النادي الأهلي

GMT 08:11 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير الأهلي تدعم رامي ربيعة قبل نهائي دوري أبطال إفريقيا

GMT 03:24 2020 الجمعة ,25 أيلول / سبتمبر

22 سفينة إجمالى الحركة بموانئ بورسعيد

GMT 20:09 2018 الخميس ,11 تشرين الأول / أكتوبر

عماد متعب يعترف بفضل زوجته يارا نعوم على الهواء

GMT 02:54 2017 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

أميرة هاني تُعبّر عن فرحتها بالعمل مع النجمة عبلة كامل

GMT 06:40 2023 الإثنين ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

حسين لبيب يستقبل النقيب العام لنقابة المهن الرياضية

GMT 11:09 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

تويوتا تعلن تفاصيل وطرازات البيك أب تندرا 2022
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt