توقيت القاهرة المحلي 08:48:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الفرق بين المقاومة والمغامرة

  مصر اليوم -

الفرق بين المقاومة والمغامرة

بقلم : محمد الرميحي

عند قراءة خطب الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله نجد في معظمها الحديث عن أن سلاح المقاومة هو من أجل تأمين «أهلنا في الجنوب»، من بين الكثير من الحجج التي قُدمت في تلك الخطب، وعلى أرض الواقع نرى «أهلنا في الجنوب» اليوم وهم يتدفقون نازحين إلى حيث لا يدرون، فضلاً عن تصفيات قيادات الحزب، وبعضها مستغرب؛ إذ كانوا في حصن حصين!

لقد ثبت من المعركة الدائرة اليوم في كل من غزة ولبنان، أن النظام الإيراني يخسر آخر طلقاته، وكان واضحاً أن استنبات «الميليشيات» في كل من لبنان واليمن والعراق، وعزل بقية القوى الفلسطينية واحتضان «حماس»، ما هي إلا أدوات، وقد سمعنا تكراراً أن إنشاء الميليشيات في ديار العرب هو من أجل ألا تحارب إيران على أرضها! وقد اختارت بشيء من الفطنة أن تعلق كلمة «فلسطين وتحريرها» كعنوان، وانتهينا باستنزاف دماء هائل في غزة، ونزوح في لبنان، ومغامرة بأرواح الناس.

هل نعود إلى بعض التاريخ لنعرف كم نخسر لأننا لا نقرأ ولا نتعلم من تجاربنا؟

في عام 1990 نشر أستاذ الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت المرحوم الدكتور فؤاد إسحق الخوري كتيباً صغيراً بعنوان: «العسكر والحكم في البلاد العربية»، كتاب فيه من الملاحظات الذكية ما يتوجب العودة إليه ونحن في خضم هذا المشهد الصراعي المميت، في كل من غزة ولبنان. مع شيء من الخيال يمكن بكل أريحية تعميم ما وصل إليه من نتائج من دراسته حول العسكرية العربية، وهو يتابع نتائج الحروب بين إسرائيل وبعض الدول العربية ذات الحكم العسكري، وتنزيل تلك الأفكار على الميليشيات المقاتلة اليوم، فسوف نجد نتائج شبه متطابقة.

الكتيب يستعرض تاريخ نشأة الجيوش العربية، وخلفية منتسبيها الاجتماعية، وهو دراسة سوسيولوجية لافتة تستحق التأمل.

ما يعني القارئ اليوم في ذلك الكتيب هو الأفكار الحاكمة التي تطرق إليها الكاتب، وهي في تقديري فكرتان مركزيتان؛ الأولى السلاح المستخدم للجيوش المحاربة، والثانية مفهوم الانتصار وكيف يُقدَّم للعامة.

الفكرة المركزية الأولى يرى الخوري أن «الجيش العربي أول قطاع في الدولة العربية الحديثة يستخدم التقنية الحديثة، لكن تلك التقنية جلها مستورد، وليست هناك علاقة بين استيراد السلاح الحديث من الخارج، وبين مستوى التقنية بشكل عام في المجتمع؛ أي تأهيل البشر لاستخدامه بفاعلية»، ويضيف أن «استيراد السلاح مهما كان حديثاً وفعالاً، لا يعني امتلاك التقنية الحربية في البلد المستورد. التقنية فعل إنتاج، وفعل ثقافة حديثة قائمة على العلم، أما الاستيراد فهو فعل ارتهان. إنتاج السلاح سيادة، واستيراد السلاح ارتهان للغير». هذه الفكرة المركزية ثبتت صحتها على الأرض يومَي الثلاثاء والأربعاء من الأسبوع الماضي، عندما تفجرت في شوارع ومنازل وأسواق بيروت أجهزة النداء وأجهزة الاتصال اللاسلكي في أجسام البشر، آخذة معها بعض الأرواح والأطراف والعيون! الفرق الزمني بين الفكرة التي جاء بها الخوري وتفجيرات الأسبوع الماضي في بيروت، هو فقط أربعة وثلاثون عاماً من الزمن الذي بُدّد، والغفلة المستمرة، وإبدال الميليشيات بالجيوش، وإشباع الناس بالشعوذة السياسية.

الفكرة المركزية الثانية يرى الخوري كيف يُسوَّق «مفهوم النصر والهزيمة»، فيرى مما درس من نتائج الحروب مع إسرائيل السابقة لعام 1990، أن «الجيوش العربية التي خاضت الحروب قد كُتب لها النصر، من وجهة نظر قادتها، حتى لو خسرت الأرض بعد المعركة»! ويضيف: «ما دام الجيش باقياً، والنظام قائماً، فعلى الشعب أن يطمئن»! وإن استبدلنا بالجيش هنا الميليشيات، لكان الحكم صحيحاً أيضاً، فما دامت قيادة الميليشيات قائمة، فإن الأرض والبشر الذين قُتلوا ليسوا مكمن إزعاج لأحد!

إذا قرأنا النص السابق في ضوء ما يحدث في كل من غزة ولبنان، نرى تقريباً النتيجة ذاتها، المهم أن يبقى زعماء الميليشيات، وهم الذين يمثلون «الصمود» حتى لو سُوِّيت الأرض ومَن عليها، وخسر عشرات الآلاف أرواحهم، كما ذهبت الأرض إلى احتلال جديد، وشُتِّت الناس من ديارهم! فكرة الصمود هنا منحرفة عن مقاصدها، ليس لدى قادة الميليشيات، ولكن مع الأسف لدى قاعدة عريضة من البشر، والذين «يؤمنون» أن بقاء «قيادة الميليشيا» بحد ذاته «انتصار على العدو»، حتى لو فُقدت الأرض.

لا أحد يبيعك السلاح التقني الحديث، ما تشتريه هو الجيل الثالث أو ربما الثاني من التقنية العسكرية؛ الأولى يحافظ عليها؛ فهي من «أسرار الدولة». حتى في الصراع بين الغرب والشرق الدائر اليوم في أوكرانيا، ما يتوفر للأوكرانيين، رغم كل ما يغمرنا الإعلام من نيات مساعدتهم، هو تقنية عسكرية من الدرجة الثانية، فكيف إن كنت تشتري التقنية من السوق المفتوحة!

آخر الكلام: الناقص في فضائنا اليوم هو العلم بقدراتنا الذاتية، والعلم بقدرات الخصم، وهما مصدر كل ما نشاهد من مآسٍ.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفرق بين المقاومة والمغامرة الفرق بين المقاومة والمغامرة



GMT 07:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

GMT 07:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أمريكا والصين !!

GMT 07:14 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ترامب كان يستطيع

GMT 07:12 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الرابطة العربية

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:29 2025 الثلاثاء ,03 حزيران / يونيو

بيراميدز يجهز مصطفى فتحي لنهائي الكأس أمام الزمالك

GMT 13:07 2025 الأربعاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

الزمالك يتمسك باستمرار المغربي محمود بنتايج ويرفض رحيله

GMT 11:15 2023 الجمعة ,01 أيلول / سبتمبر

عام دراسي يتيم في اليمن

GMT 03:17 2018 الأربعاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

طريقة سهلة لتحضير قشطة بانوفي المخفوقة بالبندق والشوكولاتة

GMT 02:44 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

علا غانم تقرر الانسحاب من رمضان وتنتقل للعيش في أميركا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt