توقيت القاهرة المحلي 10:15:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إغراء الشعبوية!

  مصر اليوم -

إغراء الشعبوية

بقلم : محمد الرميحي

حسن أوريد، كاتب مغربي غير معروف على نطاق واسع في المشرق، لكنه من المفكرين العرب ذوي الإضافة النوعية، من مواليد ستينات القرن الماضي، وهو صوت عقلاني نقدي، صدر له عدد من الكتب، مؤخراً صدر له كتاب بعنوان «إغراء الشعبوية في العالم العربي»، وهو كتاب يسعى للبحث عن سردية جديدة، بعيداً عما عرف من سرديات جامعة، وربما قاتلة في المنطقة العربية، تقريباً منذ الحرب العالمية الأولى، من القومية إلى الإسلاموية.

يكتب: «أضحى العالم العربي بعد سورة (الربيع العربي) وكبوة (الإسلام السياسي) خلواً من أي سردية أو فكرة جامعة كبيرة: وضع سياسي جامد، دول في أتون حروب أهلية (اليمن، سوريا، السودان)، وأخرى فاشلة، مع سياسة طائفية مُعطِّلة (لبنان، العراق)، ودول راكدة، وخطابات هوية قاتلة وزاحفة على المنطق، وبطالة متفشية، وشبيبة ضائعة، وكساد اقتصادي»، ثم يكمل: «ما عدا دول الخليج».

العبارة المفتاحية هنا «ما عدا دول الخليج» وتفسيري ليس لأنها تصدِّر النفط، فهناك عددٌ من الدول العربية تفعل ذلك، فقد تَوفَّر النفط في بلاد عربية أخرى، ولكنها أُصيبت بمتلازمة «الثورية - الشعبوية» و«الإدارة الجاهلة»، فدخلت في دوامة العنف والتفكك من باب واسع، أغراني الكاتب أن اقترح سردية جديدة نابعة من تجربة دول الخليج كما أفهمها، وهي «ديفيولوجيا» Devology (الاعتماد على منهج التنمية من خلال الكفاءة).

لدينا غالبية عربية تتنازع شعوبُها بين الخوف والحرمان، بين التشريد والفشل في أجهزة الدولة، بين القتل والتهجير، لذلك بضاعة هذه الأنظمة الرائجة المعتمدة من الزعماء هي «الشعبوية» من خلال تضخيم الهويات المحلية/ الطائفية والعرقية، وتعدد الأعداء، وتهميش الجماعات المختلفة المشاركة في الوطن، تحت مسميات مختلفة، كثير منها غير عقلاني.

معظم الفكر العربي يشكو من «تداخل الأزمنة» تاريخياً ومجتمعياً، بين التقليد والتجديد، بين العِتاق والحداثة، بين فئات تعيش في رقعة واحدة، ولا تعيش في زمن واحد. تلك سمة اجتماعية - ثقافية متفاقمة، أججت الصراعات الداخلية، كل ما تم توصيفه ظاهر لذوي أهل البصيرة، هو مغيب لدى معظم الجمهور العربي الراسخ في سرديات غمرت العقول في العقود الأخيرة، وبدا فشلها واضحاً.

العالم العربي لم يفقد جاذبيته للعالم، وزيارة رئيس الجمهورية الأميركية، وهي الأكبر والأغنى والأقوى في دول العالم إلى دول الخليج قبل أسابيع، تعني أن العالم يرى أهمية هذه المنطقة، وعودة جاذبيتها، حيث تمثل النموذج الذي يمكن أن يُحتذى، وقد سمعنا الرئيس السوري الذي يرغب أن تكون سوريا كما الخليج.

هناك سردية جديدة في عالمنا العربي يمثلها «النموذج الخليجي»، هي ليست آيديولوجيا، ولكنها إن صحَّ التعبير «ديفيولوجيا» أي طريق تنموي لإنعاش المجتمعات واستدامة التنمية، سماتها التحول من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد متنوع، في قلبه اقتصاد الخدمات، وإقامة بنية تحتية متينة في الاتصالات والمواصلات والمواني، والاستثمار في الطاقة المتجددة، والتقنية الحديثة، وخلق بيئة أعمال جاذبة، وصناديق سيادية ضخمة، والاستثمار في الإنسان، واللحاق بموكب العلم الحديث.

لا يمكن أن نضرب صفحاً عن «تنوع العالم العربي» من حيث البنية الثقافية، والقوام الحضاري، كما في الوقت نفسه لا يمكن طمس المشتركات مثل اللغة المشتركة والشعور الجمعي، إلا أن سردية الجمع القسري «أمة عربية واحدة»، أو «أمة إسلامية» هي وهم كبير، صدقته بعض النخب، ولا يزال بعضها مصدقاً له، وانصرفت عن أسس بناء الدولة المدنية الحديثة. اليوم أصبح الوقت جاهزاً للجهر بأهمية الوحدات المتجانسة، وطرح سردية جديدة مناسبة للواقع والعصر، يفسرها مصطلح «ديفيولوجيا»، أي اعتماد التنمية منهجاً للاستقرار والتطور.

لعل من أهم الوحدات المتجانسة هو مجلس التعاون الخليجي، الذي يجمع سكانَه كثيرٌ من المشتركات، هنا نجد فعل عاملين يشكلان قاعدةً لها أهميتها، الأول التجانس، والثاني النموذج التنموي، والذي يقدم تجربة فاصلة في التنمية.

الوعي بالمشتركات الجامعة في الخليج يؤهله لأن يكون صاحب سردية جديدة في عالم عربي مضطرب، إلا أن شروط نجاح السردية الجديدة، هي التفكير الجاد والحاسم بأهمية تطوير مجلس التعاون، اقتصادياً وثقافياً وسياسياً، أي تعظيم المشتركات، وتجاوز الصغائر، والمسيرة إن تمت بتلك الثنائية، فإنها تقي هذا الإقليم شرور ما وقعت فيه المكونات الأخرى المجاورة، والتي تشرذمت، رغم ما تملكه أراضيها وما تملكها شعوبها من قوة بشرية وثروة اقتصادية.

المخاطر التي قد تعترض مسيرةً ناجحةً لمجلس التعاون أيضاً معروفة، وبعضها من أمثال تضخيم الخصوصية والهوية المحلية. فالانخراط في التجربة الكونية، يتطلب تخفيض العوائق الخصوصية، والسعي الحثيث للقضاء على الفساد، وتقديم خدمات نوعية للجميع، مواطنين ومقيمين، وتجويد نوعية التعليم، وليس فقط كميته، وسياسة خارجية شبه موحدة ومتوازنة مع الجوار وما بعد الجوار، وأيضاً سياسة سخية للاستثمار في الدول التي تعاني من خلل اقتصادي، مع وجود فرص كبيرة للتطور الاقتصادي فيها، لأن الانقسام العربي بين بحبوحة وفقر، خاصة في الدول المتجاورة، هو جذر حقيقي للاضطراب، وإغراء الشعبوية.

آخر الكلام: يقدم مصطلح «ديفيولوجيا» هنا، بوصفه سرديةً بديلةً للسرديات الوهمية، فهو يمكن أن يكون جامعاً، دون أضرار جانبية، كما هي السرديات الجامعة الأخرى التي ثبت فشلها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إغراء الشعبوية إغراء الشعبوية



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt