توقيت القاهرة المحلي 22:28:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ترمب وإعادة إيرانَ إلى إيران

  مصر اليوم -

ترمب وإعادة إيرانَ إلى إيران

بقلم:غسان شربل

يقولُ ماركو روبيو إنَّ اللقاءَ بين الرئيسِ دونالد ترمب والمرشدِ علي خامنئي يمكن أن يُعقدَ غداً إذَا وافقَ الأَخير. لكنَّ هذا اللقاءَ شديدُ الصُّعوبة كي لا نقولَ مستحيلاً. يصعبُ مثلاً تصوُّرُ لقاءٍ بين الرَّجلين يشبهُ اللقاءَ الذي عقد بين ماوتسي تونغ وريتشارد نيكسون في 1972 بحضورِ هنري كيسنجر. الفروقاتُ كثيرةٌ. إيرانُ ليستِ الصينَ. وخامنئي ليسَ ماو. وزعامةُ المرشدِ الإيراني مختلفةٌ تماماً عن زعامةِ الرّبان الصيني. ثم إنَّ ذلك اللقاءَ الذي وافق ماو على عقدِه لتصفية حسابٍ مع الاتحاد السوفياتي كانَ يعد بكينَ بإطلالةٍ مختلفةٍ عبر توازناتٍ دولية جديدة.

أغلبُ الظَّن أنَّ المسؤولينَ الإيرانيين لم يتوقّعوا أن تصلَ الأمورُ إلى ما وصلت إليه. المشهدُ الحالي غيرُ مسبوق في تاريخ عقودٍ من العلاقة بين إيرانَ الثورة و«الشيطان الأكبر». وفي الحقيقةِ ترمب ليس فقط مفاجأةً لإيران. إنَّه مفاجأةٌ للعالم بأسره. لم يسبق أن هزَّ رئيسٌ أميركي النّظامَ الدوليَّ على غرارِ ما فعلَ الرئيسُ الحالي. غيَّر قواعدَ اللعبة. ولغةَ التَّخاطب. وأدواتِ الضغط. ولغةَ التَّهديد. رئيسٌ يتحرَّكُ من دون الخوفِ من الداخل على رغمِ كثرةِ المتربصين. ولا يخافُ من الخارج الذي اعتادَ على التَّجرؤ على أميركا المنسحبةِ أو المترددة.

ما يطلبه ترمب من إيرانَ ليس بسيطاً على الإطلاق. يطلبُ منها العودةَ إلى حدودِ إيران بعدمَا نجحت على مدارِ عقود في الانتشار في نسيجِ الإقليم وتوسيعِ حضورها فيه. يطلب منها التنازلَ عن الحلم النوويَّ وكأنَّه يذكر بأنَّ هذا الحلمَ راودَ قبلهَا صدام حسين ونظامَ الأسدين ونظامَ معمر القذافي. أنهت إسرائيلُ الحلمين العراقيَّ والسوريَّ وأنهَى جورج بوش الابنُ الحلمَ الليبيَّ حين حمل الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة تهديداً صريحاً للزَّعيم الليبي. يطلبُ ترمب من إيرانَ أيضاً التواضعَ في مدى ترسانتها الصاروخية وهي تعتبرها مفتاحَ قوتها. رسمُ حدودِ للصواريخ الإيرانية يشبه رسمَ حدودٍ للدور الإيراني في الإقليم، خصوصاً أنَّ ترمب يطالب طهرانَ بوقف ضخّ الأسلحةِ والأموال في عروقِ ما يعتبره «الأذرعَ الإيرانية».

ولا مبالغةَ في القول إنَّ إيرانَ قادت في العقود الماضية انقلاباً مبرمجاً على نفوذ أميركا في الشرق الأوسط. لم يخفِ الجنرال قاسم سليماني في جلساتِه الضيقة اعتقادَه أنَّ الخيطَ الأميركي هو ما يحرس استقرارَ أنظمةٍ حليفة لواشنطن وأنَّ تغييرَ المنطقة يكتمل بقطعِ هذا الخيط. في هذا السياق يمكن فهمُ ما فعله سليماني لاستنزافِ الوجودِ العسكري الأميركي في العراق بعد إسقاطِ نظامِ صدام.

وعلى مدى عقودٍ حقَّقت إيرانُ هدفين مهمين. إبعاد المعركةِ عن الأرض الإيرانية وجعل مسارحها في بلدان أخرى وخوضها عبر وكلاء من دون الانخراط العلني المباشر. المشهدُ الحاليُّ شديدُ الاختلاف، خصوصاً بعد جولة الحربِ الإسرائيلية مع إيران، التي اختتمت بانقضاضِ القاذفاتِ الأميركية على المنشآتِ النووية الإيرانية. لم تعد إيرانُ قادرةً على خوض المعركةِ على أراضي الآخرين وصارَ الصدامُ المباشرُ مع أميركا على جدولِ الأعمال.

لم يحدث في العقودِ الماضية أن خاطبت أميركا إيرانَ كما تخاطبها حالياً. يعرض عليها ترمب إبرامَ صفقة لكنَّه يوحي أن يدَه على الزناد. لا يقول إنَّ سياستَه ترمي إلى تغيير النظام. لكنَّه حين يلمس تشدداً إيرانياً لا يتردّد في القول إنَّ تغييرَ النظام قد يكون «أفضلَ شيء يمكن أن يحدث».

يطالب ترمب إيرانَ بالعودة إلى إيران. يطالبُها عملياً بألا تكون صاحبةَ القرار في بيروتَ وبخسارة حقّ النقض على قرارات السلطاتِ اللبنانية. يطالبها عملياً بالعودةِ من بيروتَ وبعدما خسرت دمشق. يطالبها أيضاً بالتَّنازل عن حقّ إدارةِ لعبة تشكيل الحكومات في بغدادَ وهو ما يفسّر موقفَه من مسألةِ ترشيح نوري المالكي.

تقول التجاربُ إنَّ المفاوضَ الإيراني لا يفتقر عادةً إلى البراعة. يلعب بإتقان مع عامل الوقت متسلحاً بالصبر ومراهناً على تعب من يفاوضه. كل هذا صحيح لكن هل تملك إيران حالياً أوراق جدية للضغط على أميركا؟ في العقود الماضية كانَ باستطاعة مجموعات «مجهولة» تفجيرَ سفارةٍ أميركية أو خطفَ مواطن أميركي. هذه الممارسات لم تعد ممكنةً أو واردة. أميركا ترمب قادرةٌ على تصفيةِ الحسابات ودفع اللعبة إلى آخرها.

هكذا تنعقد الجولةُ الجديدة من المفاوضات الإيرانية - الأميركية. تنعقد في ظلّ دبلوماسية الأساطيل التي تتجمَّع والتي يكرّر ترمب أنَّه يأمل في عدمِ استخدام «قدراتها الهائلة». ومع الأساطيلِ ضغوطٌ اقتصادية وتلويحٌ بتصعيد الإجراءاتِ ضد صادراتِ النفط الإيراني إلى الصين.

يطلب ترمب من إيرانَ خامنئي ما يصعبُ عليها تقديمه. يمكنها العثورُ على صيغةٍ مرنة في الموضوع النووي. لكنْ من الصعب عليها التسليمُ بوضع التَّرسانةِ الصاروخية على الطاولةِ ومعها العلاقة بـ«الأذرع». ما يطالبُ به ترمب ليس إجراءاتٍ شكلية. إنَّه يطالب إيرانَ بتغيير نهجِها الإقليمي والدولي والتنازلِ عن بندٍ في دستورها يعتبر «تصديرَ الثورة» جزءاً طبيعياً من جوهر سياستِها.

في هذه الأزمةِ الكبرى التي تعيشها المنطقة تتصرَّف معظمُ الدولِ البارزة بحسٍّ عميق بالمسؤولية يرمي إلى تجنيبِ الشرق الأوسط مخاطرَ الحرب وذيولها. وحدَه بنيامين نتنياهو يحلم باندلاع الحريق متخوفاً من «صفقة ناقصة» تُرضِي سيدَ البيت الأبيض ولا تبدّد مخاوفَ إسرائيل. والسؤال هو هل توافقُ إيرانُ على أنَّ الشرقَ الأوسط تغيّر وأنَّ عليها بدءَ رحلةِ العودة إلى إيرانَ لتكون دولةً بارزةً في الإقليم تنهمكُ في ترميم اقتصادِها وتحسينِ حياة مواطنيها وتشاركُ في أيّ ترتيباتٍ لاستقرارٍ دائمٍ في الإقليم؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ترمب وإعادة إيرانَ إلى إيران ترمب وإعادة إيرانَ إلى إيران



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt