توقيت القاهرة المحلي 12:29:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التطرف وباء «القرية الكونية»

  مصر اليوم -

التطرف وباء «القرية الكونية»

بقلم:غسان شربل

لم تعدِ الحروب تدور على مسارحها المباشرة فقط. منحتها وسائل التواصل فرصة التسلل إلى أماكنَ بعيدة. يكفي أن يلتفت شخص إلى هاتفه في قارة بعيدة ليتابع مجريات مجزرة تدور على بعد آلاف الكيلومترات. ولم تعد الكراهيات أسيرة منابع تفجرها الأصلية. يمكنها الانتقال سريعاً إلى من هو مستعد لتلقيها في أماكن قصية. وهكذا بات العالم ينقسم سريعاً حول أحداث كان في السابق لا يستطيع مشاهدتها مباشرة ولا يعتبر نفسه معنياً بأهوالها.

بالصوت والصورة يستطيع سكان «القرية الكونية» متابعة الكشف عن مقبرة جماعية، خلّفها نظامٌ مستبد. في السابق كان الأمر يقتصر على إهالة التراب على مكان الجريمة. أو يقتصر الأمر على خبر في صحيفة محلية. ولم يكن من شأن التوتر الذي يثيره المشهد أن يسافر ويعبر الحدود ويقيم في مشاعر بعيدين وذاكرتهم.

ولا نضيف جديداً إن قلنا إن العالم الذي شهد في العقود الأخيرة ثورات علمية وتكنولوجية متلاحقة ضاعفت قدرات الإنسان، لم يشهد في موازاة ذلك تقدماً إنسانياً حاسماً في كبح الكراهيات وشهوات القتل والإلغاء.

التطرف وباء أخطر من كل الأوبئة التي شهدها العالم. عدد ضحاياه يفوق عدد ضحاياها. والتطرف ليس حكراً على فئة أو لون أو معتقد. ويمكن أن يبلغ التطرف حدّه الأقصى حين يتحوّل رغبة عارمة في شطب الآخر لأنه مختلف، أو يقرأ في كتاب آخر أو يشرب من ينابيع غير مشابهة.

حاول العالم محاصرة هذا الوباء. أنشأ المحاكم ومنظمات تسوية النزاعات وشدّد على الاحتكام إلى القانون. لكن على رغم هذه الجهود راح التطرف يتوكأ على نزاعات مزمنة أو ظلم قديم. انطلق أيضاً من أزمات هوية أو خوف على الوجود واللون. وربما يشير ذلك إلى شيء من الفشل في نهوض التعليم نفسه بإنسانية الإنسان بالقدر الكافي، ويشير أيضاً إلى غياب ثورة ثقافية شاملة تحرم قتل الأبرياء واستباحة دمهم.

انشغل العالم أمس بمجريات الهجوم الإرهابي الذي وقع في سيدني. كان استهداف مدنيين تجمعوا في مناسبة دينية يهودية عملاً مروعاً. شاهد الناس في أماكن قريبة وبعيدة الجثث المتناثرة وذعر الفارين.

لا يمكن فصل ما جرى في سيدني عن مشاعر الغضب التي تراكمت بفعل الممارسات الوحشية للجيش الإسرائيلي في أعقاب اندلاع «طوفان الأقصى». شاهد الناس عمليات قتل بلا حدود وعمليات فتك غير مسبوقة. عشرات آلاف القتلى. وطائرات تعمم الخراب وتدفع جموعاً بشرية إلى العراء والخيام. كانت المشاهد اليومية قاسية وصادمة ومثيرة للمرارة والاحتقان. لكن قول ذلك لا يعني أبداً أي تبرير لاستهداف مدنيين وقتلهم بطريقة وحشية.

ضاعف توقيت العمل الإرهابي في سيدني من خطورته. جاء في وقت ينتظر فيه أهل الشرق الأوسط أن يستقبل دونالد ترمب قبل نهاية الشهر الحالي بنيامين نتنياهو. يراهنون على أن يتمكن سيد البيت الأبيض من إقناع الزائر أو إرغامه على تسهيل الانتقال نحو المرحلة الثانية من الاتفاق الذي أوقف الحرب في غزة.

جاء الهجوم أيضاً بعد أسابيع من يقظة دولية واسعة ترجمت باعتراف شبه جماعي بدولة فلسطين ما شكل نجاحاً دبلوماسياً غير مسبوق يعد بتسوية النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني على قاعدة حل الدولتين. تقدمت دول كثيرة وبينها أستراليا نفسها خطوة إلى الأمام، واعتبرت أن لا مخرج من النزاع الطويل والمرير غير الإقرار بحق الفلسطينيين في العيش في دولة مستقلة.

وجاء الهجوم في وقت استيقظت فيه دول وهيئات ومنظمات من غيبوبة أو غياب ورفضت تصديق صورة إسرائيل الضحية بعدما تبين حجم الظلم اللاحق بالشعب الفلسطيني.

أخطر ما في الهجوم هو مساهمته في إعادة الكلام عن الممارسات المعادية للسامية. ومساهمته أيضاً في مساعدة حكومة نتنياهو على العودة إلى لبس ثياب الضحية، والقول إن إسرائيل وحدها هي الملاذ الآمن لليهود المستهدفين في بقاع العالم. ولحكومة نتنياهو تاريخ من البراعة في استغلال أي حدث من هذا النوع. وخير دليل مسارعة مسؤولين إسرائيليين إلى الربط بين ما جرى في سيدني واعتراف الحكومة الأسترالية بدولة فلسطين.

التطرف كامن وحاضر ويستعد دائماً للانقضاض. قبل يوم واحد من هجوم سيدني شهدت تدمر السورية هجوماً بالغ الدلالات استهدف عسكريين أميركيين وسوريين. أعاد الهجوم التذكير بأن تنظيم «داعش» انحسر لكنه لم يمت. «داعش» أو ما يشبهه ويغرف من قاموسه. ولفت الحادث إلى أن عملية بناء سوريا الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع لن تكون رحلة سهلة على الإطلاق، وأنها ستشهد بالتأكيد مواجهات قاسية مع متطرفين ومع الفكر المتطرف.

منذ عقود يدفع الشرق الأوسط ثمن الظلم الفادح وممارسات الشطب والإلغاء والإقصاء. أضاعت دوله وشعوبه عقوداً من عمرها. أضاعت فرص التقدم والبناء والالتحاق بالعصر. لا حل للخروج من لعبة الظلم والتطرف والقتل غير الإصرار على التقدم نحو السلام العادل. لا خيار غير بناء دولة القانون والمؤسسات واحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان وكرامته. ولا خيار غير محاصرة فكر التطرف ورفض أي تبرير لسلوكه ووحشيته. اتكأ التطرف طويلاً على حالات الظلم وتغطى بها لتبرير وجوده واستمراره وانتشاره. استئصال التطرف يبدأ بإزالة الظلم اللاحق بشعوب ومجموعات وأفراد. لا يبنى السلام إلا على العدالة والمساواة أمام القانون.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التطرف وباء «القرية الكونية» التطرف وباء «القرية الكونية»



GMT 09:11 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

متشابهة

GMT 09:08 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

بلسانٍ إيراني أميركي جليّ

GMT 09:07 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

تخريب العلاقة بين الخليج وأميركا

GMT 08:59 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

معركة العقل العربي ــ الإسلامي

GMT 08:58 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

التحالفات السياسية في عالم بلا مركز

GMT 08:56 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

زمن أفول غطرسة القوة اللاشرعية!

GMT 09:44 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

GMT 09:42 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

تحديات وقف إطلاق النار

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
  مصر اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

10 أماكن منسية في منزلك تحتاج إلى تنظيف منتظم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt