توقيت القاهرة المحلي 23:17:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بعد عامين من «الطوفان»

  مصر اليوم -

بعد عامين من «الطوفان»

بقلم:غسان شربل

هذا ما حدث. أطَلّ كبير الجنرالات الساكن في البيت الأبيض، وأطلق على المتحاربين قذيفة لا يمكن ردّها. خطة للخروج من الحرب التي تُطفئ غداً شمعتها الثانية. خطة تبدأ بوقف النار وتبادل الرهائن والأسرى، ثم تذهب أبعد في رسم مستقبل غزة مع فتح كوة في اتجاه السلام الدائم وحلّ الدولتين. وفي صيغ الخروج من الحروب المعقدة لا بد من التباسات. الوضوح يحرج المحاربين حين لا تنتهي الحرب بالضربة القاضية والاستسلام الكامل. الغموض يساعدهم على إبلاغ جمهورهم أنهم لم يتنازلوا وأنهم في الطريق إلى تحقيق أهداف كبرى.

ليس هذا ما كان يشتهيه نتنياهو. ولا خليل الحية ورفاقه، لكن سيد البيت الأبيض أطَلَّ بلغة الجنرال وكأنه يقول: «الأمر لي». ولم يتردد في الإشارة إلى أن عدم القبول بخطته لا يقود إلا إلى فتح أبواب الجحيم. ولم يكن أمام المتحاربين غير الانصياع لرغبة جنرال القرية الكونية؛ فهذا الرجل سيد الأساطيل والقنابل التي تخترق الأعماق. وهو الوحيد القادر على إطفاء حريق التهَم عشرات الآلاف من الناس، وصدَّع خرائط، وغيَّر ملامح.

نتنياهو ذئب متمرِّس يدرك خطورة رقصة «التانغو» مع ترمب. يعرف أن شريكه الذي يشعره بالحميمية والدفء قادر على تغيير مجرى اللعبة فجأة لإرغام الشريك الأصغر على ضبط خطواته على مزاج الشريك الأكبر؛ لهذا لم يبخل نتنياهو على ترمب بالإشادات والمدائح ودغدغة غروره. وهذا ما حصل. لم يبخل ترمب على إسرائيل بالدعم، خصوصاً في الفصل الإيراني من حروب ما بعد «الطوفان»، لكنه لم يتنازل عن الجلوس في مقعد القيادة.

من حق أميركا التي تضخُّ كل أنواع المساعدات في عروق إسرائيل أن تضبط جموح الأخيرة. من حقها أن تُلزم إسرائيل بالعودة إلى التوقيت الأميركي. الشرق الأوسط منطقة مهمة وحيوية، ولا يجوز تركها في أيدي جنرالات إسرائيل وجنرالات الفصائل. ولم يكن أمام نتنياهو غير الانحناء لرغبة حليفه ترمب، رغم علمه أن قبولها يمكن أن يؤدي إلى فتح أبواب المفاجآت وتصدُّع حكومته.

ولم تكن قيادة «حماس» راغبة في القبول بخطة تنص على نزع سلاحها وإخراجها من المشهد. لم يعد للحركة حليف تستجير به. وأغلب الظن أن بعض قادتها تذكَّروا قصة بيروت التي حاصرها الجيش الإسرائيلي في 1982. ففي المدينة المحاصَرة ذهب ياسر عرفات إلى السفير السوفياتي سولداتوف ليطالبه بالدعم. وكان رد السفير: اخرجوا من بيروت ولو على ظهر المدمرات الأميركية. أرفقت «حماس» قبولها الخطة بعبارات والتباسات، لكنها وافقت على تجرّع بعض السمّ.

بعد عامين من «الطوفان» وجدت «حماس» نفسها أمام خيارات بالغة الصعوبة. جنرال البيت الأبيض لا يمزح. عبارته واضحة: قبول الخطة أو فتح أبواب الجحيم. والخطة محبوكة ببراعة. في المرحلة الأولى منها تخسر «حماس» السلاح الأهم الذي امتلكته، وهو الرهائن. بعد خسارة هذا السلاح ستحتاج «حماس» إلى ضمانات كي لا تمارس إسرائيل في القطاع القتل اليومي الذي تمارسه في لبنان، والضمانات بأن الاحتلال الجديد للقطاع لن يطول. طرف واحد يستطيع توفير الضمانات، واسمه دونالد ترمب. لكن ترمب ليس جمعية خيرية وليس مولعاً بتقديم الهدايا. لكل ضمانة يوفرها ثمن باهظ لا بد من دفعه.

قبل عامين، انطلق «طوفان» السنوار، وردَّ عليه نتنياهو بطوفان النار. فاض الحريق عن حدود غزة. أمطرت ناراً فوق خرائط عدة. اختفى لاعبون، وتغيّرت ملامح. أُرغمت إيران على مغادرة سوريا، وجلس أحمد الشرع على كرسي الأسدين في «قصر الشعب». تغيّرت ملامح سوريا. لم تعد ملاذاً للممانعين ولا ممراً للصواريخ. قُطعت طريق قاسم سليماني. اتخذ الشرع قرارات صعبة، وصعد إلى القطار بعد مصافحة مع جنرال البيت الأبيض. أُصيب المشروع الإيراني في حلقته الحيوية.

سوريا اليوم لا تشبه أبداً تلك التي كانت قائمة لحظة انطلاق «الطوفان» قبل عامين. تحوّلت جداراً يفصل بين «الحشد الشعبي» العراقي و«حزب الله» اللبناني. يقول الشرع إن سوريا لن تشكِّل خطراً على أحد من جيرانها. هذا يعني خروج سوريا على الأقل من الشق العسكري في النزاع مع إسرائيل، رغم استمرار الأخيرة في استفزازاتها واعتداءاتها.

لبنان الحالي لا يشبه ذلك الذي كان قائماً ساعة انطلاق «طوفان السنوار». «حزب الله» بلا زعيمه حسن نصر الله لا يشبه ما كان عليه في وجوده. أظهرت الحرب التفوق التكنولوجي الإسرائيلي الهائل. خسارة العمق السوري تحرم الحزب من القدرة على تكرار تجربة «حرب الإسناد».

ذهب تغيّر الملامح أبعد. لبنان الرسمي مطالب من الداخل والخارج بـ«حصر السلاح» في يد الدولة اللبنانية. من دون هذه الخطوة لن يستطيع لبنان الصعود إلى القطار، ولن يتلقى المساعدات التي يحتاجها لإعادة الإعمار والاستقرار، أي انطلاقة ناجحة لخطة ترمب في غزة ستعيد تسليط الأضواء على المشهد اللبناني، حيث لا يمكن اعتبار الانتظار أفضل مستشار.

بعد عامين من «الطوفان» تغيّرت صورة إيران أيضاً. لم تستطع إنقاذ حلفائها. ولم تستطع ردّ الطائرات الأميركية عن منشآتها النووية ولا الطائرات الإسرائيلية عن أجواء طهران. خسرت بعض أوراقها، وها هي العقوبات تهبّ مجدداً على اقتصادها. مسيّرات الحوثي وصواريخه لا تعدّل كثيراً في الحساب.

بعد عامين من «الطوفان» تغيّرت ملامح وأخرى تستعد. سيدخل الجنرال ترمب تغييراً هائلاً على ملامح الشرق الأوسط الرهيب إذا ساهم الترويض التدريجي للمحاربين في فتح نافذة للدولة الفلسطينية المستقلة. مفاوضات ما بعد تبادل الرهائن والأسرى ستكون شاقة ومريرة، ومن يضمن ألّا يصاب قطار ترمب بالتعب أو اليأس أو الانحراف عن خطه؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بعد عامين من «الطوفان» بعد عامين من «الطوفان»



GMT 02:18 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لعنةُ إبادة غزة وارتداداتُها

GMT 02:16 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

فارق الوقت وفالق الزلازل

GMT 02:13 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

GMT 02:12 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

نندم... لكنْ ماذا بعد الندم؟

GMT 02:11 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

عامٌ خامسٌ من الحربِ ولا سَلامَ في الأفق

GMT 02:10 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رمضان والمجتمع

GMT 02:09 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

متحف الأوهام

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt