توقيت القاهرة المحلي 16:54:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

القرار والأخطار والمستشار

  مصر اليوم -

القرار والأخطار والمستشار

بقلم:غسان شربل

في طريق العودة من دمشق إلى بيروت زارتني جملة سمعتها، ومفادها أنَّ «دمشق وبغداد دفعتا في العقود الماضية ثمن القرارات المتهورة، في حين دفعت بيروت ثمن غياب القدرة على القرار».

لم أسلك هذا الطريق منذ خمسة عشر عاماً لكنني تذكّرت أوجاع العواصم المشار إليها. الزمن أستاذ في تقليب الصفحات. تغيّرت دمشق. كنا نقصدها قبل أن تغرق في دمها. وكان من الطبيعي أن يطلب الصحافي الزائر مقابلة صاحب القرار. وكان اسم الرئيس بشار الأسد وكان يدير البلاد بلا شريك. زاد من أهمية لقاء الأسد أنه كان يدير لبنان أيضاً قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وأنه كان منخرطاً مع إيران في زعزعة استقرار الاحتلال الأميركي بالعراق بعد إسقاط نظام صدام حسين في 2003.

لا مبالغة في القول إنني وجدت سوريا منهكة. نهر من الضحايا واقتصاد مدمر وخوف على الوحدة وخوف منها. ومصير سوريا يعني كل عربي؛ فهي موصولة بشرايين المنطقة وعبر هذه الشرايين تتدفق النار، أو يتسرب الاستقرار. خطرت ببالي قصة القرارات الخطرة والألعاب الخطرة.

ذات يوم قال لي الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، إنه قلق على سوريا، وراح يمتدح حكمة حافظ الأسد لتفادي توجيه انتقاد مباشر لنجله. أوضح أنه بعث برسالة إلى بشار الأسد حملها كبير مستشاريه فخري كريم. ومضمون الرسالة نصيحة بالكف عن تسهيل مرور المتشددين و«الجهاديين» إلى العراق، لأنَّ هؤلاء الذين يذهبون الآن من سوريا إلى العراق قد يهاجرون ذات يوم في الاتجاه المعاكس، فتذوق دمشق ما تذوقه بغداد. لم تظهر الأحداث أنَّ الأسد توقف عند نصيحة طالباني.

ثمة من يعتقد أنَّ الخيار الأفضل للأسد بعد غزو العراق كان المسارعة إلى إجراء إصلاحات داخلية وترميم علاقات بلاده الدولية خصوصاً مع الغرب، لكنه أبحر في اتجاه معاكس. يرى هؤلاء أنَّ الأسد اتخذ قراراً خطراً يفوق قدرة التركيبة السورية على الاحتمال وهو الانخراط في برنامج إيران الإقليمي. وأظهرت السنوات اللاحقة أن خيار الأسد كان مناقضاً لمشاعر أكثرية السوريين، خصوصاً حين اختار القمع الدموي في مخاطبة الانتفاضة الشعبية، ثم توافدت ميليشيات الممانعة لمساندة نظامه في سياق تفاهم إيراني - روسي.

ما أصعب ألا يجرؤ مستشار على لفت نظر السيد الرئيس إلى خطورة قرار! ذهبت ذات يوم للقاء الأسد. وصلت في اليوم السابق للموعد. قلت أقوم بزيارة مجاملة لوزير الخارجية وليد المعلم. تطرقنا إلى علاقات سوريا العربية، فقلت إن الرئيس ليس مضطراً للتصعيد ضد دول عربية لم تبخل عليه سابقاً بالدعم. سكت المعلم ثم أجاب: «أنت ستقابله غداً فلماذا لا تقول له ذلك؟». أجبت: «أنا صحافي أحمل أسئلة ولا أحمل رسائل أو نصائح. لماذا لا تطرح عليه الأمر وأنت وزير الخارجية؟». ارتبك المعلم الذي كان يعرف أن للجدران آذاناً، ورد بما يشبه الهمس: «أنت تستطيع أن تقول له. أمَّا أنا فلا أستطيع». كانت عبارة المعلم شديدة الخطورة. هل كان عاجزاً عن المجاهرة بنصيحة من هذا النوع لأنَّه لا ينتمي إلى المكون الذي ينتمي إليه الرئيس؟

كان الدكتور نديم الياسين مدير المراسم في رئاسة الجمهورية العراقية إبان فترة غزو الكويت. كان مقيماً في عمّان مع ذكرياته ومن دون مغادرة إعجابه بالسيد الرئيس صدام حسين. كنت أبحث عن روايات تلك الحقبة. زرته فسمعت كلاماً يشبه كلام وليد المعلم. لم يكن من حق الياسين أن يسدي النصائح وما كان ليجرؤ. لكنَّه كان صديقاً لطارق عزيز عضو القيادة القطرية ووزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء. روى الياسين أنَّه تناول العشاء مع عزيز بعد عودة الأخير من اجتماع للقيادة القطرية اتخذت فيه قرار ضم الكويت واعتبارها محافظة عراقية. قال إنَّ عزيز كان شديد القلق ومدركاً لأخطار القرار وإنَّه حاول لفت النظر إليها، لكن الحاضرين حدَّقوا فيه كأنَّهم يستعدون لاعتباره خائناً، وسارعوا إلى تأييد القرار في حضور السيد الرئيس.

قرار كبير آخر لم يقدّر صدام حسين أبعاده وأخطاره. سمح ذات يوم لمدير في المخابرات العراقية اسمه فاروق حجازي بالقيام بمهمة شائكة. سمح له بالذهاب إلى السودان للاجتماع برجل اسمه أسامة بن لادن. لعب الزعيم الإسلامي السوداني الدكتور حسن الترابي، دوراً حاسماً في إقناع زعيم «القاعدة» باستقبال مبعوث صدام حسين. حصل اللقاء ودام ثلاث ساعات لكنَّه لم يسفر عن تعاون، فصدام وبن لادن من قاموسين متباعدين لا يكفي العداء لأميركا لجمعهما تحت سقف مشروع واحد. لكن الزيارة ألصقت بنظام صدام تهمة التعامل مع «القاعدة»؛ وهي من التُّهم التي استخدمها جورج بوش الابن لتبرير غزو العراق. هذا ما يحصل حين يمتنع السيد الرئيس عن إشراك المستشار، أو حين لا يجرؤ الأخير على إغضاب السيد الرئيس، و«غضبه رهيب».

مسكينة بلداننا أخذتها القرارات المتهورة إلى ركامها. لا وجود للمستشارين في زمن السيد الرئيس القائد. لا يتَّسع المكان إلا للمصفقين. والحصيلة معروفة. عواصم منهكة تحتاج إلى عقود لمحو بصمات القرارات المتهورة. معاناة بيروت مختلفة. لم تعرف السيد الرئيس القائد. تصدَّعت الدولة وتقاسم الأقوياء قرارها ومارسوا أخطر الألعاب وصولاً إلى زمن الركام.

انتشلني من عبارات الماضي طنينٌ متواصل مستفز ومهين. مسيّرة إسرائيلية تتنزَّه في الأجواء في احتقار صارخ للقوانين الدولية. مسيّرة تذهب وتدور وتعود. تصور وتراقب وتتحيّن الفرصة للعثور على ضحية. مسيّرة تحلّق فوق الطريق الذي كان يسلكه ذات يوم قاسم سليماني، وكانت تسلكه أيضاً قوافل الصواريخ. الزمن أستاذ في تقليب الصفحات.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

القرار والأخطار والمستشار القرار والأخطار والمستشار



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt