توقيت القاهرة المحلي 16:48:10 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«أبو لولو»... والمناجم

  مصر اليوم -

«أبو لولو» والمناجم

بقلم:غسان شربل

كنا نأمل أن يترسخ وقف النار في غزة. وأن تتاح للعالم فرصة معاينة «حرب الإبادة» التي ارتكبتها حكومة بنيامين نتنياهو هناك. وأن يشعر قسم من الرأي العام الإسرائيلي بهول ما ارتكبه الجيش في القطاع. وأن يراقب العالم استخراج الجثث المتراكمة تحت الركام. وكنا نراهن أن يستنتج العالم وعلى نحو قاطع أن لا نهاية لهذا النزاع الطويل من دون قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.

أخطر ما حملته الأيام الأخيرة هو انشغال العالم ببوادر مأساة مروعة تدور أيضاً على أرض عربية وتحديداً في السودان. في الفيديو الذي تأكدت صحته رجل مكسور ومذعور يتوسل جلاده من أجل البقاء حياً. لا يريد أكثر من النجاة من القاتل الواقف حاقداً ومتغطرساً على بُعد مترين. جريمة الرجل الوحيدة أنه من جذور أفريقية. لكنه لا يستطيع الاتصال بأحد. ولن يتمكن أحد من نجدته. الحاكم في تلك البقعة معروف وأحكامه غير قابلة للنقض. إنه الحاكم والمحكمة. إنه القضاء والقدر. اسمه الفاتح عبد الله إدريس وشهرته «أبو لولو». ولا يجرح شعوره أن يشيع لقبه الجديد وهو «سفاح الفاشر».

و«أبو لولو» رجل جدي تماماً. ولديه برنامج لا يحيد عنه. يعد القتل مهنة نبيلة ومهمة مقدسة. أعلن ذات يوم أنه قتل 900 شخص، وطموحه أن يرفع عدد ضحاياه إلى الألف. وثمة من يقول إن إنجازاته فاقت توقعاته. وإن سقوط مدينة الفاشر بيد قوات «الدعم السريع» مكّنه من التقاط الفرصة الذهبية، فضاعف رصيده في بنك القتل. و«أبو لولو» رجل عادل يكره التمييز. يقتل الرجال ولا يستثني النساء، ويُجهز على الأطفال كي لا يضطر إلى قتلهم لاحقاً.

و«أبو لولو» رجل صريح وواضح. يعد كل من لا يشبهه في انتمائه القبلي والعرقي عدواً لا خيار غير اقتلاعه. يحب الصفاء ويعد كل اختلاف تهديداً للتشابه الذي يبني عليه طمأنينته. لا تستوقفه انحناءة رجل. ولا دموع امرأة. ولا براءة طفل. ليس ساذجاً ليسلم أن من حق الناس أن يكونوا من ينابيع مختلفة. وأن يتحدروا من أصول متنوعة. وأن تتباين عاداتهم وتقاليدهم. الآخر بالنسبة إليه تهديد صارخ ومشروع جثة لا بد من استعجال قطفها. ثم إن «أبو لولو» ليس محارباً متخلفاً مقيماً في ظلام الماضي. إنه ابن العصر ويحترم التكنولوجيا والتطور العلمي. وخير دليل أنه يوثق ارتكاباته بالجوال الذكي، ويعطي جثث ضحاياه فرصة الإطلال عبر «تيك توك» لتكون عبرة لمن يريد أن يعتبر.

لا يكفي أن يعلن «الدعم السريع» اعتقال «أبو لولو» ودفعه إلى ما وراء القضبان. لا يكفي أن يحاول غسل يديه. ظاهرة «سفاح الفاشر» بالغة الخطورة في بلد يضم نحو 500 مجموعة عرقية. ثم إن ظاهرة «أبو لولو» هي ثمرة تدفق ينابيع الكراهية من دون ضابط أو عقاب. وثمرة غياب الدولة وانحسار وجودها لمصلحة الفصائل المسلحة والأعلام البديلة والروايات المسمومة. وفي هذا المناخ ينتشر وباء التقاتل العرقي أسرع من الكوليرا التي قد تبدو أقل وحشية من «سفاح الفاشر».

لا سلم ولا أمان ولا استقرار من دون الاعتراف بالآخر وحقه في الاختلاف. وهذا لا يمكن أن يتيسر إلا في ظل دولة القانون والمؤسسات والمواطنة. لا يحق لأي مجموعة محو ملامح مجموعة أخرى بذريعة الصفاء العرقي. عدُّ الآخر المختلف عدواً لأنه يشرب من نبع مختلف وصفة ناجعة لحروب أهلية لا تنتهي تقوّض المجتمعات والدول. كان يفترض أن يتعلم العالم من مذبحة رواندا، وأن يتعلم السودان من حروب دارفور و«إنجازات» الجنجويد.

تلعب وسائل التواصل حالياً دوراً بالغ الخطورة حين يُساء استخدامها. تعطي قاتلاً فرصة التحول نجماً في غضون دقائق. حديث يستدرج القتل والسحل والحرق والاغتصابات مشاهدات كثيرة. ومن يدري فقد يشعر صغار القتلة بالغيرة من نجومية صاحب الشريط فيضاعفون جهودهم لرفع منسوب ضحاياهم وتحقيق أرقام قياسية.

لا نريد المبالغة في القسوة على «أبو لولو». ليس القاتل الكبير الوحيد. شهد العراق ظهور أكثر من «أبو لولو» في عهد صدام حسين وكذلك بعد غيابه. شهد عهد الأسدين في سوريا بزوغ نجم أكثر من «أبو لولو» سجلوا أرقاماً قياسية في الاغتيالات والتعذيب والمقابر الجماعية وصولاً إلى ولوج العصر عبر مكبس الجثث في سجن صيدنايا. حروب لبنان لم تبخل أيضاً بأشباه «أبو لولو» و«أبو عزرائيل» و«أبو الموت» و«أبو الجماجم».

واضح أننا نحتاج إلى ثورة ثقافية قبل أي ثورة أخرى. ثورة تركز على الفرد وكرامته وحقوقه في ظل القانون، وعلى التعايش في ظل حق الاختلاف، وعدّه مصدرَ غنى لا مشروع انفجار. لا نستطيع التعايش داخل مجتمعاتنا أو مع العالم إذا بقينا أسرى فكرة الزي الموحد واللون الواحد.

ذكرتني قصة «أبو لولو» بما سمعته حين حاورت نوري المسماري أمين المراسم في عهد معمر القذافي. قال إن الزعيم الليبي كان يحتقر الأفارقة رغم بدعة «ملك ملوك أفريقيا» التي روج لها نصاب جاء من ساحل العاج وأقنع «القائد» بها. حكى أن طريقة تعامل القذافي مع زواره من القادة الأفارقة كانت فظيعة وعنصرية. وأضاف: «كان يقول لي: هات العبد، أي أدخل الرئيس الأفريقي إلى الموعد. وبعد مغادرة الزائر كان يقول: ذهب العبد، أعطوه شيئاً».

لا بد من الدولة الحقيقية في السودان وغيره. لا يمكن قطع الطريق على خطر ظهور «أبو لولو» هنا وهناك وهنالك إلا عبر قيام دولة المواطنة والحقوق والواجبات. المشكلة ليست في السباق على مناجم الذهب. المشكلة رسوخ مناجم العنصرية والكراهيات العرقية. الجيوش الموازية شديدة الخطورة على السودان وشديدة الخطورة في كل مكان.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«أبو لولو» والمناجم «أبو لولو» والمناجم



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt