توقيت القاهرة المحلي 08:16:29 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الملاكم التركي

  مصر اليوم -

الملاكم التركي

بقلم:غسان شربل

الملاكم لا تعيبه الكدمات. يوجعه أن يطرح أرضاً. يقتله أن يُقذف إلى خارج الحلبة. للملاكم المدمن، أول التقاعد أول الموت أيضاً.

وكان يمكن أن تكون الصورة مختلفة. أن يخذله الناخبون. وأن يسارع إلى مغادرة القصر الشاسع بعد أن يلملم من مكاتبه وممراته أحلامه وأوهامه. يعرف أنهم كانوا ينتظرون أن يلتف حبل الانتخابات حول عنقه ليعلقوا أخطاءه على حبال التاريخ. لا المعارضة ترحم ولا الصحافة تنسى. وهو لا يطيق لا هذه ولا تلك.

أنقذته تركيا العميقة من مصير مؤلم. لم يكن يوماً عدواً بسيطاً أو حليفاً سهلاً. عنيف في العداوة ومتطلب في الصداقة. عنيد في خياراته ثم يصدم خصومه وحلفاءه باستدارة مفاجئة يسهل عليه دائماً تسويقها لدى أنصاره.

في الحفل الكبير أطلق ابتسامة المنتصر. لم يغب عن باله أن يهاجم المعارضة وما سمّاها الحسابات الصغيرة. لكنه استدرك داعياً إلى الوحدة ومعلناً انطلاق «قرن تركيا». أنقذه الناخبون من سوء المصير. لو خسر لانهال خصومه عليه بالأقلام المسنونة وخناجر الشماتة والحكايات المجبولة بالثأر. وكان متوقعاً أن يحكموا ربط صورته بصورة الليرة التركية التي عانت الأمرين في الفترة الأخيرة بسبب إصراره على التحول طبيباً لأمراض الاقتصاد وأوجاعه. وما كانوا ليتردّدوا أيضاً في تحميله وزر التباطؤ في مواجهة آثار الزلزال المدمر الذي أدمى البلاد.

كان باستطاعتهم القول إن مغامرته في الإقليم انتهت بفشل مروّع. فلا محمد مرسي أو من يشبهه يحكم مصر ولا بشار الأسد أرغم على مغادرة قصر الرئاسة. «الربيع» الذي رعاه لتغيير ملامح المنطقة تحول تهمة تطارد الضالعين فيه. ولن يتردد بعضهم في الكتابة أن القيصر نجح في تقليم أظافر السلطان، واستدرجه إلى ملعبه وأقنعه بزرع الصواريخ الروسية داخل الحديقة الأطلسية. وأغلب الظن أن أميركا كانت سترتاح من هذا الحليف المتعب وأن أوروبا ستبتهج بغياب الرجل الذي قرع بعنف بابها ثم ابتعد مطلقاً الاتهامات والأزمات.

لا يمكن كتابة قصة الشرق الأوسط في القرن الحالي من دون التوقف عند دوره. كان رجب طيب إردوغان لاعباً كبيراً ومؤثراً. ويمكن القول إنه انخرط في مجازفات شديدة الخطورة. لم يكتف بمشروع إعادة رسم ملامح الجمهورية التي هندسها أتاتورك بل تجاوز ذلك إلى محاولة إعادة رسم ملامح المنطقة برمتها. كانت رياح «الربيع الإخواني» شديدة ولافحة. أصيبت هذه الرياح بانتكاستين كبيرتين، الأولى في مصر والثانية في سوريا. يتلقى الضربات ويسدد الضربات.

كان يمكن لكل هذه الدفاتر أن تفتح لو أرغم على الجلوس في مقاعد الخاسرين. لم يحصل ذلك وأهدته الصناديق فرصة جديدة وولاية جديدة. ولاية ثالثة يقول الدستور إنها الأخيرة لكننا أبناء منطقة لا تحب الدساتير فيها إغضاب «الرجل القوي» إن احتاج ولاية إضافية. كسر خاطر الدستور أفضل من كسر خاطر الملاكم الكبير.

على مدى عقدين كتب إردوغان قصة تركيا بأسلوبه الذي لا يشبه أساليب أسلافه ولا جيرانه. مذ تولى المسؤولية تصرف كمحارب مجروح. لم يغفر للعالم ابتهاجه بركام الإمبراطورية العثمانية. لم يغفر له تحويله البلاد التي كانت تستعرض قوتها على ملاعب الآخرين إلى خريطة متواضعة يتحتم عليها أن تأخذ في الاعتبار نصائح سفراء الدول الكبرى وأحياناً توجيهاتهم. قبل موعد إطلالته بثلاث سنوات، ألقت روسيا بنفسها بين يدي رجل مجروح أيضاً. لن يغفر فلاديمير بوتين للعالم تلك الاحتفالات التي انخرط فيها يوم انهار جدار برلين ويوم انتحر الاتحاد السوفياتي أو نُحر. سلطان إسطنبول يتهم العالم بتقطيع أوصال المجد العثماني، وقيصر موسكو يتهم العالم بتقطيع أوصال الإمبراطورية السوفياتية. وتقطيع الأوصال رهيب يمزق الشرايين ويهين الأوسمة ويدفع الأيتام إلى البحث عن حامل الثأر... عن الملاكم الكبير.

على نار الشرق الأوسط الكئيب أمضى إردوغان عقدين كاملين. كانت الحرائق كثيرة وهي بدأت عملياً بالغزو الأميركي للعراق، ثم حمل العقد التالي رياح الاحتجاجات والتدخلات. ولم يكن إردوغان الوحيد المتبرّم بحدود خريطة بلاده. الجنرال قاسم سليماني، وبمباركة المرشد، نجح في اختراق خرائط عدة وبدل فيها ملامح ومعطيات.

كان العقد الثاني من القرن الحالي صاخباً في الشرق الأوسط، وكان إردوغان فيه لاعباً نشطاً على رغم تعدد الأهداف التي أضاعها على ملاعب متعددة. وكان على إردوغان أن يتجرع أكثر من صدمة أبرزها رؤية قوات بوتين تنزل في سوريا وتقفل الباب - بالتعاون مع ميليشيات إيران - أمام رياح الحالمين بإسقاط النظام السوري. ولم يكن تبادل اللكمات مع القيصر سهلاً. والملاكم التركي ينكفئ قليلاً ولا يستسلم. يقدم الخدمات لسيد الكرملين، لكن مسيّراته تعمل بإخلاص في جيش زيلينسكي.

لا يتسع هذا الحيز الضيق للإضاءة على المنعطفات الرئيسية في مسيرة إردوغان وهو رجل منعطفات وقرارات وانعطافات. ها هو يعلن حكومته الجديدة. لا تستطيع بلاد إنقاذ هيبتها إذا استمر إذلال ليرتها. عليه أن يكف عن استخدام العقاقير القديمة في تضميد جروح الاقتصاد. يحتاج الاقتصاد إلى خبراء لا إلى ملاكمين. يحتاج إردوغان أيضاً إلى معالجة الانقسام العميق في الشارع التركي الذي أظهرته نتائج الانتخابات. يحتاج أيضاً إلى بناء سياسات لا يكون حجر الأساس فيها الخوف من الأكراد أو الإصرار على مطاردتهم.

اختار إردوغان رجلاً موثوقاً لحقيبة الاقتصاد هو محمد شيمشك. وكافأ رئيس الاستخبارات حقان فيدان «كاتم أسراري وكاتم أسرار الدولة» بتعيينه وزيراً للخارجية. لا بد من استخلاص الدروس اللازمة من عقد العواصف الأخير. لا بد للحكومة من محاربة التضخم في الاقتصاد ومن ضبط التضخم في الأحلام. صعود القوى الإقليمية لا يعني ترميم هيبة الإمبراطوريات. وفي العلاقات الدولية لا بد من تجرع السم أحياناً. والدليل أن إردوغان سيشارك ذات يوم في لقاء يضمه وبوتين وبشار الأسد. هذا قانون الملاكمة. توجه الضربات وتتلقى مثلها، لكن الأهم أن تبقى واقفاً على الحلبة وألا ينجح الناخبون في دفعك خارجها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الملاكم التركي الملاكم التركي



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt