توقيت القاهرة المحلي 01:35:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

نتنياهو أمامَ محكمة الرُّبع الأول

  مصر اليوم -

نتنياهو أمامَ محكمة الرُّبع الأول

بقلم:غسان شربل

عاودت محكمة الرُّبع الأولِ من القرن اجتماعاتها. أمضى القضاةُ وقتاً طويلاً في تمحيصِ ملفِ المتَّهم. ملف عنيف ومخيف يذكّر بملفاتِ قساةِ الحرب العالمية الثانية. قلبُوا الأوراقَ ففاحت منها رائحةُ الدَّم. لمحُوا قوافلَ من الجثث الصغيرة. وبكاء أطفال تحتَ الخيام. لمحُوا بحراً من الرُّكام. شاهدُوا الأيدي التي تتسابقُ من أجل الفوز بكسرةِ خبز أو حفنةِ أرز.

لم يسبق لقضاة هذه المحكمة أن واجهوا متَّهماً من هذا النوع. رجل دخلَ موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية طافياً على نهرِ ضحاياه. لم يقتل أحدٌ من الفلسطينيين قدرَ ما قتل. يحسدُه آرييل شارون على ارتكاباته. كسرَ من العظام أكثرَ بكثير مما كسرَ إسحاق رابين قبل أن ييأسَ من القتل، ويصافحَ ياسر عرفات.

لم يقتل أحدٌ من القادة الفلسطينيين قدرَ ما قتل. ومن قادةِ «حزب الله». وجنرالات «الحرس الثوري» والجيشِ الإيراني والعلماءِ النوويين. وقادةِ «الحوثيين».

شعرَ القضاةُ بالخوف. هذا الرَّجلُ يقتل هنا وهناكَ وهنالك. لا يرفُّ له جفنٌ. يحتقر القانونَ الدوليَّ والحدودَ الدولية. لا حدود لحقدِه ويدُه طويلة. طائراتٌ لا ترحم. ومسيّراتٌ بارعةٌ في القتل. سرقَ الأرشيفَ النوويَّ من إيران. شطبَ حكومة الحوثيين. يتباهَى بقتل أمينينِ عامَّينِ لـ«حزب الله» في حفنةِ أيام.

هذا متَّهمٌ بالغ الخطورة. أستاذٌ في المناورة والمداورة. إذا اضطر إلى قبولِ وقف النار يفخّخ بنودَ الاتفاقات والتفاهمات. يحتفظُ لنفسِه بقطعةٍ من أرض عدوّه. ويحتفظُ بحقّ الاستمرارِ في القتل. وإذا أرغمَه دونالد ترمب على لجمِ جنونه الدمويّ يعتبر الأمرَ مجردَ استراحة قصيرةٍ بين حربين. دراسته في أميركا علَّمته مفاتيحَ الرَّقص مع الإدارات المتعاقبة على اختلافها.

لا حدودَ لوقاحته. يمكن أن يذهبَ إلى منبر الكونغرس لتحدّي رئيسِ القوة العظمى الوحيدة. السّلاح الأميركي سيفُه وترسُه لكنَّه لا يتصرَّف كتابع. يذهب بعيداً. ثم يتراجع. ليعاودَ الانقضاض. يرتكبُ المذابحَ، ويلبس ثوب الضحية. السلام بالنسبة له هو استسلام أعدائه من دون قيد أو شرط.

ارتبك القضاة. فاقت إقامة الرجل في مكتب رئيس الوزراء جميع أسلافه، ثم إنَّه منتخب. كأنَّه يملك تفويضاً شعبياً بالقتل. اتُّهم بالاختلاس وخيانة الأمانة وتلقِي رشًى. اتهامات تكفي لإسقاطِ صاحب المنصب لكنَّ ذلك لم يحدث.

يذهبُ إلى انتخابات فيعيده اليمينُ المتطرف إلى «مهمته». تتداوله المحاكم، ولا ينفضُّ أنصاره من حوله. يستأذن المحكمة في الخروج لسبب طارئ، ثم يتكشف أنَّه خرجَ لإصدار أمرٍ باغتيال أو غارة مدويّة. أستاذٌ في التَّضليل والمفاجآت. كانَ العالم منشغلاً بأهوال مشاهد غزةَ حين افتتح في المنطقة بؤرةً جديدة للتوتر. أعلنَ الاعتراف بـ«جمهورية أرض الصومال» التي لم يعترف بها أحدٌ. يريد الإقامةَ قبالة خليج عدن ومجاورة بابِ المندب. يريد الإطلالَ على الحوثيين من مكانٍ قريب.

دخل بنيامين نتنياهو قاعةَ المحكمة بربطةِ عنقٍ زرقاء. عدَّدَ له القاضي الاتهامات فردَّ مبتسماً. قالَ: «سيدي القاضي. غريبةٌ قصة هذه المحكمة. لم يخطر ببالِها أن تستدعيَ يحيى السنوار حين أطلقَ ما سمَّاه الطوفان. لم تحاول استدعاءَ حسن نصر الله حين بادرَ إلى إطلاق حرب الإسناد. انشغلت بمجريات الحربِ، ولم تسأل عمَّن أطلقَ الرصاصة الأولى فيها.

سيّدي القاضي. في يونيو (حزيران) 1976 خطفت جماعةُ وديع حداد طائرةً إلى عنتيبي في أوغندا على متنِها عددٌ من الإسرائيليين. قرَّر رئيس الوزراء إسحاق رابين عدمَ الرُّضوخ للخاطفين. أرسلَ لتحرير الرهائن قوةَ كوماندوس بقيادة شقيقي الضَّابط جوناثان نتنياهو. نجحت عملية تحريرِ الرهائن لكنَّ شقيقي قُتل. أقسمتُ أمام جثتِه أن أتبنَّى شعار حداد نفسِه وهو «وراء العدوّ في كل مكان» وهذا ما فعلته دائماً. ثم إنّني تعلمت من والدي المؤرخ أنَّ القدرَ حشرنا مع الفلسطينيين في مكان ضيق. مكان لا يتَّسع لشعبين ولا لعلمين ولا لدولتين. لهذا تعيش إسرائيلُ منذ ولادتها حربَ وجود مفتوحة. حرب وجود تكون فيها قاتلاً أو قتيلاً.

ذاتَ يوم خدع رجلٌ اسمه ياسر عرفات رجلاً اسمُه إسحاق رابين. تصافحا في حديقة البيت الأبيض. تظاهر عرفات بالقبول ببعضِ الأرض. استغلَّ أوسلو ليزرعَ على هذا التراب الضّيّق علماً فلسطينياً وكوفيةً فلسطينية. كانَ عرفات يريد مواجهةَ إسرائيل من داخل بيتها. كانَ يراهن على الوقت والتزايد السكاني. لا يستطيع إسرائيليٌّ أن ينسى أنَّ عرفات كانَ وراء الرَّصاصة التي أطلقت في منتصف الستينات، وأحيتِ الصراعَ على هذه الأرض الضيّقة التي لا تتَّسع لشعبين.

سيّدي القاضي. لا يعرف الأميركيون الشرقَ الأوسط. ولا يعرفه الأوروبيون. في هذا الجزء الصَّعب من العالم يرخي التاريخُ بثقله على الحاضر والمستقبل معاً؛ لهذا حين جاءَ قاسم سليماني لتطويق إسرائيل بالصواريخ والميليشيات عثرَ على حلفاء في خرائطَ عدة. لم يكن أمامِي غداةَ انطلاق «الطوفان» غير أن أردَّ عليه بطوفان من النار. أن أقلبَ المعادلةَ في الشرق الأوسط وأغيّر الملامح.

وها هي غزةُ بلا السنوار، و«حماس» مطالبةٌ بنزع سلاحها. ولبنانُ بلا نصر الله، و«حزب الله» مطالبٌ بنزع سلاحه. وسوريا بلا بشار الأسد، ومطالبةٌ بمنطقة منزوعةِ السلاح. أرسلتُ الطائرات، وعاقبتُ بلادَ سليماني، وثقبتُ هيبتَها. وسأرسلها مجدداً حين يقتضي الأمر. الضَّوءُ الأخضر من ترمب يأتي وإن تأخَّر». تجادل نتنياهو طويلاً مع القضاة حين سألوه عن الإبادةِ والتجويع والتهجير. استأذن فجأة بالانصراف. ربَّما لإصدار أمرٍ باغتيال أو شنّ غاراتٍ مدمرة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نتنياهو أمامَ محكمة الرُّبع الأول نتنياهو أمامَ محكمة الرُّبع الأول



GMT 09:57 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

الحلُّ عندكم

GMT 09:55 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

غرينلاند... نتوء الصراع الأميركي ــ الأوروبي

GMT 09:53 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

عراقجي لزيلينسكي: لو غيرك قالها!

GMT 09:52 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

المقاربة السعودية لليمن تكريس لفضيلة الاستقرار

GMT 09:50 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

الأشْعَارُ المُحكَمَةُ

GMT 09:48 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

هل تُضعف أميركا نفسها؟

GMT 09:46 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

النظام العالمي و«حلف القوى المتوسطة»

GMT 09:44 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

مجلس الإمبراطور ترامب

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 20:47 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

اليونيسف تحذر من ضياع جيل كامل من أطفال السودان
  مصر اليوم - اليونيسف تحذر من ضياع جيل كامل من أطفال السودان

GMT 14:21 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

ياسمين صبري تستكمل فيلم "نصيب" عقب عيد الفطر
  مصر اليوم - ياسمين صبري تستكمل فيلم نصيب عقب عيد الفطر

GMT 00:33 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الأردن يستعيد سيادته على الباقورة والغمر

GMT 04:30 2018 الأحد ,17 حزيران / يونيو

جزيرة كريت أكبر جزر اليونان الرائعة

GMT 21:24 2018 الأربعاء ,10 كانون الثاني / يناير

زيادة أسعار تذاكر مترو الأنفاق في تموز المقبل

GMT 10:46 2017 الأحد ,24 كانون الأول / ديسمبر

عهد التميمي

GMT 04:32 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

جلسة تصوير تجمع بين طارق صبري وجيهان خليل

GMT 04:44 2017 الثلاثاء ,11 تموز / يوليو

الفاوانيا تسيطر على رائحة العطر الجديد من Kenzo

GMT 00:03 2022 الأحد ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

فولكس فاجن تؤخر طرح السيارة الكهربائية ترينتي

GMT 05:28 2018 الأحد ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ملابس محجبات للممتلئات مستوحاة من المصممة مروة حسن

GMT 14:13 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

رشا السباعي تهنئ ملكة جمال لبنان وتدافع عن عمرو دياب

GMT 23:37 2018 الأربعاء ,19 أيلول / سبتمبر

ريال مدريد الإسباني يفوز على روما الإيطالي بثلاثية

GMT 09:48 2018 السبت ,18 آب / أغسطس

تعرفي على طريقة عمل سمك مشوي بالخضار
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt