توقيت القاهرة المحلي 16:54:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحزب والعاصفة و«البيت اللبناني»

  مصر اليوم -

الحزب والعاصفة و«البيت اللبناني»

بقلم:غسان شربل

هل هيَ مجردُ جولةٍ أم أنَّها أكبرُ وأخطر؟ وهل هي نهايةُ الحربِ أم نهاية حقبة؟ وهل هي عاصفةٌ عنيفةٌ عابرة أم أنَّها زلزال قاتل يكفي لتغيير الملامح؟ وهل صحيح أنَّ الأساطيل تقترب لطيّ صفحة نصفِ قرن من عمر الشرق الأوسط وفتحِ صفحة جديدة؟ وهل صحيح أنَّ العالم تعب من الممانعةِ والتخصيب والأنفاق والجيوش الصغيرة، ويستعدُّ لإعادة الخرائط إلى الحكوماتِ وجيوشها الشرعية؟ أسئلةٌ مطروحة في طهرانَ وفي مقر قيادة «حزب الله» اللبناني.

كانتِ السبعيناتُ شديدةَ الحيوية في بيروت. وكانت كليةُ التربيةِ في الجامعة اللبنانية من مسارحها. هذا شيوعيٌّ وذاك ناصريٌّ وثالث كتائبيٌّ ورابع قوميٌّ، ولم يكن صوتُ الإسلاميين مرتفعاً. وكانتِ البلاد تغلي. استضافتِ الجمهورية الهشة حلماً مسلحاً يفوق قدرتها على الاحتمال. وبدأ العالم ينشغل بكوفيةِ ياسر عرفات الذي حوّل جنوبَ لبنان منصة لإطلاق الصواريخ على إسرائيل، لتذكير العالم بالظلم اللاحق بشعبه.

وفي بداية ذلك العقدِ، كان وليد جنبلاط طالباً في الجامعة الأميركية ببيروت. وفي كليّة الطب بالجامعة نفسها، كان طالبٌ اسمُه سمير جعجع يراقب تآكلَ سلطة الدولة وتقلُّصَها لمصلحة الفصائل. وكان رجلٌ اسمُه رفيق الحريري يتابع في السعودية ترسيخ أعمدةِ إمبرطوريته المالية. وفي كليَّةِ التربية كانَ هناك طالبٌ لم تستدرجه طروحاتِ اليسار واليساريين وخطب محسن إبراهيم وجورج حاوي. استوقفته إطلالةُ الإمام موسى الصدر وخطبُ السيد محمد حسين فضل الله. كان اسمُ الطالب نعيم قاسم، وهو ولد في 1953؛ بعد عامٍ من ولادةِ جعجع، وأربعةٍ من ولادة جنبلاط، وتسعةٍ من ولادة الحريري.

لعبت الأقدار دورَها. استدعى اغتيالُ كمال جنبلاط نجلَه وليدَ إلى السياسة والزعامة والحرب. واستدعتِ الحربُ جعجع إلى الحرب والسياسة والزعامة. واستدعَى السلمُ رفيق الحريري، لكنَّه انفجرَ على خط التماس الإقليمي بعدمَا حاول خطفَ لبنان من خاطفيه. سلك قاسم طريقَ حركة «أمل» بعدما اجتذبه حلمُ الدفاع عن المحرومين. حدثان سيغيران مسارَ أستاذ مادة الكيمياء؛ الثورة الإيرانية وما ضخَّته في عروق الإقليم والمجموعات الشيعية فيه، والغزو الإسرائيلي للبنان في 1982. فعلى دويّ الغزو بدأ موسمُ هجرةِ مجموعاتٍ إسلامية نحو تأسيس كيانٍ جديدٍ اسمُه «حزب الله». وفي تلك الرحلةِ كانَ نعيم قاسم إلى جانب حسن نصر الله وعماد مغنية وآخرين. وُلد الكيانُ الجديد برعاية إيرانيةٍ مباشرة وتسهيلٍ من حافظ الأسد الذي اختار التحالفَ مع ثورة الخميني لأسبابٍ يطول شرحُها.

في الثمانينات بدا أنَّ موقعَ لبنانَ مرشح للتغير. انغمس انتحاريٌّ في مقر وحدة «المارينز» ببيروت في 1983، وتسبَّب في سقوط أكثرَ من مائتي قتيل. جمعَ الجيش الأميركي جثثَ ضحاياه ونقلَ جنوده إلى السفن ثم ابتعد. السّفارة الأميركية في بيروت تعرضت لضربةٍ موجعة هي الأخرى. بدا واضحاً أنَّ إيران الخميني اختارت لبنانَ لترجمة بند في دستورها ينصُّ على الحق في تصدير الثورة. وبزعامةِ حسن نصر الله بدأ «حزب الله» رحلةَ صعوده خصوصاً بعدما انسحبت قواتُ الاحتلال الإسرائيلي من لبنانَ في بداية الألفية الجديدة ومن دون أي ثمن.

احتلَّ «حزب الله» موقع اللاعب الأول في لبنان. تحوّل صانعَ رؤساء للجمهورية والحكومات، ثم تحوَّل لاعباً إقليمياً علنياً حين أرسل قواته إلى سوريا لإنقاذ نظام بشار الأسد. كما ظهرت بصماتُه في اليمن والعراق.

يعرف نعيم قاسم القصةَ من أولها. كان شريكاً منذ البدايات. وتولَّى منصبَ نائب الأمين العام منذ 1991 إلى أنِ استدعاه القدر إلى الموقع الأول بعد اغتيال حسن نصر الله وهاشم صفي الدين. استدعاه القدرُ في أصعب الأيام. على طاولته ملفٌ يشبه سؤالاً صعباً وحارقاً. ماذا يفعل الحزبُ إذا أمر دونالد ترمب الأساطيلَ بإطلاق عاصفة النار مجدداً على مواقع النظام الإيراني؟ هل يستطيع الحزب البقاءَ في موقع المتفرج إذا واجه النظام الإيراني خطر التصدّع تحت الضربات الأميركية؟ ثم إنَّ العاصفة قد تستدعي أيضاً ضرباتٍ إسرائيلية إذا ردت إيران باستهداف الدولةِ العبرية كما تتوعّد؟ يعرف قاسم أنَّ الحزب اليوم هو غير ما كان عليه عشية انطلاق «طوفان السنوار». قدراته أقل، والمشهد اللبناني مختلفٌ ومثله الوضع الإقليمي.

يدرك قاسم أنَّ ممثلي المكونات اللبنانية الأخرى يعارضون انخراط الحزب في معركة من هذا النوع، خصوصاً أنَّهم جاهروا بمعارضتهم لـ«حرب الإسناد» التي أعلنها نصر الله غداةَ اندلاع «الطوفان». ابتعد الحلفاء السابقون للحزب عنه ولم يتردد زعيم «التيار الوطني الحر» جبران باسيل في غسلِ يديه من التحالف الذي أسهمَ في توسيع كتلته النيابية.

يعرف قاسم أنَّ المشهد تغير. يدرك أنَّ العماد جوزيف عون لم يفتح باب قصر الرئاسة بمفتاح «حزب الله» على غرار ما فعل العماد ميشال عون. دخل عون الأول القصرَ على حصان الحزب، وبعدما اضطر الآخرون إلى تجرع كأس القبول به لإنقاذ القصر من شغور طال. هذا من دون إنكار الصفة التمثيليةِ لعون الأول في بيئته. يعرف أيضاً أنَّ سوريا الأسد التي كانت ممراً للصواريخ وعمقاً استراتيجياً، باتت مع سوريا الشرع جداراً يقطع طريق قاسم سليماني، ويحاصر الحزبَ داخل «البيت اللبناني». وهو يدرك بالتأكيد أنَّ القرار الدولي الذي يطالب إيران بالعودة إلى داخل حدودها من دون ترسانة نووية وأذرع إقليمية يطالب الحزب أيضاً بالعودة إلى «البيت اللبناني» من دون ترسانته.

يقلّب الأمينُ العام الخياراتِ الصعبة. العلاقة مع الوليّ الفقيه عضويةٌ وحيوية وترابطُ المصائر واضحٌ وصريح. لكنَّ الخللَ في ميزان القوى صارخٌ والشعبُ اللبناني يعيش تحت المسيراتِ الإسرائيلية واعتداءاتها اليومية. هل يستطيع الحزبُ النجاةَ من عاصفة المواجهة الأميركية - الإيرانية إذا اندلعت؟ وهل يستطيع طي صفحةِ الترسانة للعودة إلى «البيت اللبناني» مراهناً فقط على صفته التمثيلية في بيئته؟ وهل يستطيع الأمينُ العام للحزب أن يكونَ سياسياً طبيعياً تحت سقف الطائف كما هي حال جنبلاط وجعجع وغيرهما؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحزب والعاصفة و«البيت اللبناني» الحزب والعاصفة و«البيت اللبناني»



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt