توقيت القاهرة المحلي 16:48:10 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سمومُ موازينِ القوى

  مصر اليوم -

سمومُ موازينِ القوى

بقلم:غسان شربل

أولُ الحكمةِ القراءةُ الدَّقيقةُ في موازين القوى. لا بدَّ منهَا إذا تعلَّق الأمر بحرب أو ثورةٍ أو انقلاب. ميزانُ القوى حكم شبه مبرم يصعب شطبه من الحساب. تجاهله يقودُ غالباً إلى نتائج كارثية. لكن القوة التي تصنعُ الانتصارَ ليست قادرة بالضرورة على ضمان الاستقرار.

قرأَ فلاديمير بوتين ميزانَ القوى. سيرتفع صراخُ الغربِ حين يستيقظ على رؤيةِ الدبابات الروسية تشطبُ ما يسمونه الحدودَ الدولية مع أوكرانيا. لكنَّ حلفَ «الناتو» لن يغامرَ بإرسال قوات للدفاع عن دولة ليست بين أعضائه. ستفرض أميركا عقوباتٍ وتطلق تهديداتٍ، لكنَّها لن ترسل قواتِها لأنَّ قراراً من هذا النوع يوقظ شبحَ الحرب العالمية الثالثة. كانت حساباتُه دقيقةً وها هوَ جيشه يلتهمُ مزيداً من الأراضي بعدما ضمن سيطرتَه على تلك التي ضمَّها إلى روسيا. لكنَّ التجاربَ تقول إنَّ القسرَ والقهر لا يمكن أن يشكلا قاعدةً لاستقرار طويل أو دائم.

لأهلِ الشرق الأوسط حكاياتٌ طويلةٌ مع موازين القوى. في 1967 لم يتوقَّف جمال عبد الناصر طويلاً عند ميزان القوى ومعادلاته. أعلنَ إغلاق مضائق تيران وحشدَ الجيش. كانتِ النتيجة الحرب التي شنتها إسرائيل وأسفرت عن احتلالِ سيناء والضفةِ الغربية ومرتفعاتِ الجولان. ضاعفتِ الحرب الخللَ الفاضح في ميزان القوى.

استنتج أنور السادات أنَّ مصرَ لا تستطيع التعايش مع احتلال سيناء. أعدَّ مع حافظ الأسد حرب 1973. ورغم إنجازات الجيش المصري، أعادت مجرياتُ الحرب تذكيرَه بالحقائق المؤلمة لميزان القوى. أدرك السادات أنَّ استعادة سيناء بالقوة متعذرة، فاختار التَّسليمَ بالتعامل مع وقائع ميزان القوى واستعادَ الأرض من بوابة كامب ديفيد. شنَّ حافظ الأسد حملة قاسية على السادات. لكنَّه سلّم في داخله بقسوة ميزان القوى الذي يمنعه من استعادة الجولان، فاختار التَّعويضَ المتاح وهو «استعادة» لبنان وإدارته والمرابطة فيه.

حين أطلقت حركةُ «فتح» رصاصتَها الأولى في اليوم الأول من يناير (كانون الثاني) 1965، كان ياسر عرفات يحلم باستعادة كامل الأرض المحتلة بفوهة رشاشِه. معاركه الطويلة والمريرة شرحت له وبقسوة، حقيقةَ ميزان القوى الممتد من تل أبيب إلى واشنطن. لهذا رأينا ياسر عرفات يصافح إسحقَ رابين في حديقة الورود بالبيت الأبيض. لهذا رأيناه يقبل بحلم دولة على بعض الأرض رغم قسوة التنازل عن بعضها الآخر.

في مقره الفرنسي، صارحَ الخميني مبعوث صدام حسين. قالَ له إنَّ إسقاط «نظام البعث الكافر» هو البند الثاني في برنامجه بعد إسقاط نظام الشاه. وكانَ حلم الخميني اقتلاع نظام صدام خصوصاً حين رجحت كفة إيران في الحرب مع العراق. لم يسمح ميزان القوى الدولي للخميني بتحقيق حلمه، فوافق على تجرّع سمّ القبول بوقف النار.

في المقابل، لم يلتفت صدام إلى وقائع ميزان القوى حين غزت قواتُه الكويت. لم يلتفت أيضاً إلى ضرورة محاولة تفادي الغزو الأميركي للعراق، معتبراً الأمرَ «معركة كرامة الأمة»، كما قال لصحيفتنا وزيرُ الخارجية اليمني الأسبق أبو بكر القربي.

لنتركِ الماضي إلى الحاضر. حين راح سلاحُ الجو الإسرائيلي يدمر أسلحة «جيش الأسد»، لم يكن أمام الرئيس أحمد الشرع غير التعاطي مع ميزان القوى. لقد تضاعف الخلل في ميزان القوى بعدما تمكَّنت إسرائيل من إخراج إيران من سوريا، ووجهت ضربةً موجعة إلى «حزب الله» اللبناني وقيادته. وحين اندلعتِ الأزمة الأخيرة في السويداء، لم يكن أمام الشرع أيضاً غير الالتفات إلى ما يمليه ميزان القوى.

الرئيس جوزيف عون يختبر مع حكومته قسوةَ ميزان القوى وما طرأ عليه بعد «الطوفان». المسيّرات الإسرائيلية لا تكفُّ عن انتهاك أجواء لبنان وتنفيذ اغتيالات. ويعرف الرئيس أنَّ نزع سلاح «حزب الله» شرط أميركي ودولي لدخول لبنان مرحلة الحصول على المساعدات لإعادة الإعمار. هذا من دون أن ننسى سموم ميزان القوى وما تفرضه على السلطة الفلسطينية.

في الفترة التي أعقبت هجوم «حماس» الشهير في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أصيبت إسرائيل بجنون الثأر والانتصار. ولا مجال لإنكار أنَّ آلتها الحربية، المدعومة أميركياً، تمكَّنت من تدمير غزة وفرض سيطرتها في أجواء خرائط عدة، كما تمكَّنت من تنفيذ توغلات في أراضي سوريا ولبنان.

ميزان القوى الحالي واضح. لا قدرة للفلسطينيين على استعادة حقوقهم بالقوة؛ لا الآن ولا في مستقبل قريب. يمكن قول الشيء نفسه عن سوريا التي لا بدَّ أن تعطي الأولوية لبناء دولة مؤسسات تحفظ الوحدة والتعايش، وتفتح باب الاستقرار والازدهار. «حزب الله» اللبناني ليس قادراً على إطلاق حرب جديدة ضد إسرائيل، لا الآن ولا في مستقبل قريب.

أمام خللٍ بهذا الحجم في ميزان القوى، لا يملك الفريق الأضعف خياراً غير اللجوء إلى الشرعية الدولية. مبادئ الشرعية الدولية تساعد في الاحتماء من الظلم الذي يفرضه ميزان القوى. ولا بد أيضاً من الذهاب إلى جوهر الموضوع، أي إلى معالجة الظلم اللاحق بالشعب الفلسطيني، والذي كانَ أساس زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط.

لا يمكن خفض سموم ميزان القوى إلا بالرجوع إلى مبادئ الشرعية الدولية التي تضمن قيام السلام العادل. من هنا أهمية معركة الدولتين التي تلعب فيها السعودية دوراً نشطاً ومؤثراً، كان من آخر نتائجه إعلان الرئيس الفرنسي أن بلاده ستعترف بالدولة الفلسطينية.

سياسات البطش والقوة والإلغاء ستبقي الشرق الأوسط نائماً على براميل البارود، في حين تحتاج دوله إلى التقاط الأنفاس لمحاربة الفقر واستعادة النازحين وخوض معركة التنمية واللحاق بالعصر. الحلّ ليس الاستسلام لإملاءات ميزان القوى. الحلّ هو توظيف كل الأوراق لإنعاش دور الشرعية الدولية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سمومُ موازينِ القوى سمومُ موازينِ القوى



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt