توقيت القاهرة المحلي 23:17:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ليلة القيصر

  مصر اليوم -

ليلة القيصر

بقلم:غسان شربل

فرك عينيه كمن يشكك بما يراه. المشهد صعب التصديق. رهيب وغير متوقع. لم يسبق أن كانَ الحظ سخياً معه إلى هذا الحد. طلب من الحارس كميةً محترمة من الثلج، والزجاجة التي تليق باحتفال غير مسبوق. ارتبك الحارس. ليس من عادة سيد القصر أن يشرب. إنَّه رياضي لا يُفرّط بلياقته. نفّذ الرجل الأمر وأغلق الباب.

سكب في الكأس كمية محترمة. سمع صوت الثلج يتكسر كأنَّه يشارك في الاحتفال. وضع الشريط مجدداً. صدق أو لا تصدق. أغمض عينيه. جيد فعلاً إنه لم يقتل فولوديمير زيلينسكي بجحيم من الصواريخ على غرار ما فعل بنيامين نتنياهو بحسن نصر الله. أو بعملية نوعية لاغتياله في عاصمة أخرى على غرار ما فعل نتنياهو بزعيم «حماس» إسماعيل هنية في طهران. لو فعل لأعطى زيلينسكي فرصة الذهاب إلى القبر رمزاً أو بطلاً. وكانت تماثيله ستملأ ساحات الغرب، وسيحجز له التاريخ موقعاً على شرفته.

ما أروعَ أن ترى عدوك جريحاً ينزف! يضاعف المتعة أن تأتيه الطعنة من بيت أبيه. من سيد البلاد التي ضخت في عروق بلاده الأسلحة والمليارات. وأن يشكك الطاعن في صدق قضيته ونزاهته. وأن يطالبه برد الهدايا السخية. وأن يوقع على ما في تراب بلاده من معادن نادرة. وأن يستعد للتنازل صراحةً عن جزء من الخريطة التي يتمسك بحدودها الموروثة. ما أجملَ أن يتطوَّع من كان يفترض أن يكون خصمك بإطلاق زلزال على عدوك! وأن ينتشر المشهد في «القرية الكونية» كالنار في الهشيم. وأن يصور الزائر كأنه من قام باستفزازك وبادر إلى غزو بلادك.

ما ألذَ رائحة الثأر ومن دون أن تحمل الضربة القاتلة بصماتك! شعور يغسل الجروح التي تراكمت في روحك. جرح «الجيش الأحمر» ينسحب مكسوراً من أفغانستان. جرحك الشخصي يوم أتلفت الوثائق السرية في درسدن. ويوم تطايرت حجارة جدار برلين كأنَّها تساقطت على روحك. ويوم فاحت رائحة الخيانات وتسابقت الجمهوريات للقفز من القطار السوفياتي في أكبر عملية نكران جميل شهدها القرن الماضي.

رشفة أخرى. تخيل الخيبة تغمر الرجل الجالس في مكتب شارل ديغول. ذهول الرجل المقيم في مكتب مارغريت ثاتشر. حزن الرجل الذي يتمشَّى في مكتب أنجيلا ميركل. ذهب أبعد. تصور الجو المرتبك في قصر القرار في تايوان. واليابان. وكوريا الجنوبية. تخيَّل ملامح بارونات الاتحاد الأوروبي. وجنرالات حلف «الناتو». ماذا يبقى من هيبة الحلف حين تقر أميركا بحق بوتين في اقتطاع وجبة كبرى من اللحم الأوكراني؟ أغلب الظن أنَّ الرجل الجالس على عرش ماو تسي تونغ يشعر بالبهجة رغم خوفه من عودة سيد الكرملين إلى زمن «التانغو» مع البيت الأبيض.

راودته للحظة فكرة غريبة. ماذا لو كان جالساً مكان زيلينسكي وخاطبه دونالد ترمب بمفردات من القماشة التي استخدمها مع ضيفه الأوكراني. أغلب الظن أنَّ العالم كان سيقترب من وليمة نووية كاملة. ضحك. هذا يستحيل أن يحدث. لا روسيا هي أوكرانيا ولا فلاديمير بوتين هو زيلينسكي. من حُسن الحظ أنَّ الرجل الممسك بالبيت الأبيض هو صديقنا كي لا نقول رجلنا.

يتكسَّر الثلج كما تتكسَّر أحلام زيلينسكي وداعميه. كانت السنوات الثلاث الماضية مؤلمة. لم يسقط سيد كييف حين توغلت الدبابات في جسد الخريطة الأوكرانية. الخريطة التي سلبها الغرب من بلاده. تدفقت المساعدات الغربية وعادت إلى روسيا نعوش كثيرة. أوجعته عودة النعوش وإصرار الغرب على استنزاف روسيا عسكرياً واقتصادياً. أرغمته على الاستعانة بقوات حفيد كيم إيل سونغ. ما أصعبَ أن يشعر سيد الكرملين بالخيبة من جنوده وجنرالاته! يعرف أن جنرالات الأطلسي ابتهجوا. قالوا إذا كان «الجيش الأحمر» لم يستطع تركيع الجيش الأوكراني، فماذا كان ليفعل لو واجه جيوش «الناتو»؟ وماذا كان سيحل به لو واجه أفضل آلة عسكرية في التاريخ اسمها الجيش الأميركي؟

انتظر ترمب بفارغ الصبر. ولم يخيّبِ الرجلُ صديقه رغم دسائس الأوروبيين. وهو لم يبخل على أميركا بالهدايا. لم يبخل على إسرائيل. لم يحاول عرقلة طائراتها حين لاحقت الوجود العسكري الإيراني في سوريا وأخرجته. لم يحاول إنقاذ بشار الأسد كما فعل سابقاً. اكتفى بمنحه اللجوء لأسباب «إنسانية». لم يحاول عرقلة الانقلاب الكبير في الشرق الأوسط.

يعرف ما يقوله الأوروبيون. يقولون إنَّ انتصاره في أوكرانيا سيضاعف شهيته لاسترداد بعض الأراضي السوفياتية. ماكرون يقول إنَّ بوتين «سيذهب بالتأكيد إلى مولدافيا وربما إلى أبعد من ذلك إلى رومانيا». يقول أيضاً إنَّه إذا تم وقف النار من دون ضمانات أمنية لأوكرانيا، فإنَّ قدرة أميركا «على الردع الجيواستراتيجي في مواجهة روسيا والصين وغير ذلك ستتلاشى في اليوم نفسه». يعرف أنَّ أوروبا شاخت وتفتقد الروح القتالية. وأنَّ ما ستقدمه لزيلينسكي من مساعدات وضمادات لا يكفي لبلسمة الجرح الكبير الذي أصابه بفعل طعنة ترمب.

من دون القوة الأميركية الهائلة لا يستطيع الغربُ إعادةَ عقارب الساعة إلى الوراء، لا في أوكرانيا ولا في غيرها. نفّذ «الرفيق» ترمب مهمته بإتقان شديد. ولا بأس أن يُكافأ لاحقاً بجائزة «نوبل» أو وسام لينين. رجل يستحق. مهمة كان يعجز عن إنجازها جيمس بوند الذي أعجب به القيصر يوم كان في مطلع شبابه يقرع باب الـ«كي جي بي» ويدخل. عليه أن يرقصَ مع ترمب خصوصاً حين يتصرَّف كنمر جريح. هذه ليلة القيصر وتستحق الاحتفال. حين يكون اسم سيد المكتب البيضاوي دونالد ترمب على العالم أن يسارع إلى ربط الأحزمة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليلة القيصر ليلة القيصر



GMT 21:15 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

لماذا لا يستأنف ترامب الحرب؟!

GMT 09:52 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل

GMT 09:42 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

أيُّ الرِّجال المُهَذَّب؟!

GMT 09:36 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل سكت ناقوس 5 يونيو؟

GMT 09:34 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل يمكن السيطرة على قنبلة الذكاء الاصطناعي؟

GMT 09:32 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

مطار مدني تحت النيران

GMT 09:27 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

منتدى سان بطرسبرغ والمستقبل المستقر

GMT 07:53 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين؟

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 06:48 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تركي آل الشيخ يمازح ابراهيم فايق ومهيب عبد الهادي

GMT 01:35 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سنغافورة نموذج عالمي لتحقيق جودة حياة وصحة مستدامة

GMT 12:44 2020 الجمعة ,25 كانون الأول / ديسمبر

صلاح يتخذ أولى الخطوات للرحيل عن ليفربول

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 23:31 2021 الأحد ,19 أيلول / سبتمبر

نصائح الخبراء للعناية بالبشرة في المنزل

GMT 09:18 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

بيراميدز يخاطب نادي الزمالك لشراء نجمه

GMT 03:26 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

منتخب البرازيل المنتشي يتحدى طموح بيرو في تصفيات كأس العالم

GMT 16:13 2020 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

الاتحاد الإيطالي يفرض العزل على منتخب الشباب تحت 21 عامًا

GMT 22:36 2017 الجمعة ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد كرارة يستعد للمشاركة في مسلسل "فوق السحاب"

GMT 07:50 2017 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

بلباو تحتفي بالذكرى الـ 20 لافتتاح متحف غوغنهايم

GMT 16:05 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

تسلا تقترب من الاتفاق علي إقامة مصنع سيارات في إندونيسيا

GMT 06:30 2022 الثلاثاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

إصابة مدافع لايبزيج في الكاحل خلال عطلته في المالديف
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt