توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إيران... واقعية ما بعد «الطوفان»

  مصر اليوم -

إيران واقعية ما بعد «الطوفان»

بقلم:غسان شربل

يتحدَّث معلقون إيرانيون بارتياح على الشَّاشات عن آفاق المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة. بينهم من يلمح إلى أنَّ شهر العسل مع «الشيطان الأكبر» ممكن ووارد إذا صدقت نياته. يلفتون إلى ما يعتبرونه حاجة متبادلة. حاجة إيران إلى اتفاق يُخرجها من دائرة العقوبات والاتهامات، وحاجة الإدارة الأميركية إلى إنجاز بحجم اتفاق مع إيران في ملفها النووي. يقولون إنَّ لدى واشنطن ما تقدمه لطهران، وإنَّ العكسَ صحيحٌ أيضاً. ويشيرون إلى أنَّ العالم يعيش اليوم بلغة المصالح لا بلغة التعابير الحماسية التي تسود في مواسم التوتر.

لا يتردَّد بعضهم في القول إنَّ إدارة دونالد ترمب قد تشكل فرصة لإيران لأنَّها تريد الدخول إلى الأسواق الإيرانية وفرص الاستثمار. تستطلع شبكات تلفزيونية آراء مواطنين إيرانيين فتأتي الأجوبة أنَّ الزمن ليس زمن المواجهات المكلِّفة بل زمن التعاون واحترام المصالح. المشاركون في جولات الحوار الأميركي - الإيراني لا يترددون في الحديث عن أجواء مفيدة وبناءة وخطوات أولية يمكن البناء عليها.

كان يُفترض أن تكون المناخات الحالية بين واشنطن وطهران مناخات توتر على شفير المواجهة. سيد البيت الأبيض الحالي هو دونالد ترمب. إنَّه الرجل الذي مزق الاتفاق السابق الذي نجحت إيران في الفوز به في عهد باراك أوباما. وهو الرجل نفسه الذي أمر بقتل الجنرال قاسم سليماني قرب مطار بغداد. وهو أيضاً الذي قال لإيران قبل أسابيع إنَّ عليها أن تختار بين اتفاق جديد أو ضربة قد تأتيها من إسرائيل وبدعم أميركي. لم تعتد إيران قبول لغة التخاطب هذه لكنها قبلت هذه المرة.

من حق المراقب أن يتساءل عن سبب هبوب رياح الواقعية على الموقف الإيراني. هل تبحث إيران عن هدنة لأنَّ ترمب يعني ما يقول حين يهدد؟ هل تشعر بأن الرجل الذي اتخذ قراراً من قماشة قتل سليماني لن يتردد في إعطاء بنيامين نتنياهو الضوء الأخضر لتدمير المنشآت النووية الإيرانية وبمساعدة أميركية لا بدَّ منها لإنجاز المهمة؟ هل استنتجت طهران ما يجب استنتاجه من سلسلة الحروب التي اندلعت بعد «طوفان الأقصى»؟ لم تستطع إنقاذ «حماس». ولم تستطع إنقاذ «حزب الله». ومشهد المواقع الحوثية تحت النار الأميركية لا يحتاج إلى تفسير. هل أدركت طهران حجم الخسارة التي شكَّلها إخراج سوريا من محور الممانعة وإخراج بشار الأسد منها؟ هذا فضلاً عن ميل العراق إلى النأي بنفسه عن أي حريق محتمل.

واضح أنَّ إيران اتخذت منذ سنوات طويلة قراراً قاطعاً بعدم الدخول في أي مواجهة عسكرية مباشرة مع أميركا. شاءت المهنة أن أسمع هذا الكلام من مسؤولين إيرانيين قبل سنوات طويلة. طرحتُ على من التقيتُهم في طهران سؤالاً بسيطاً وهو عن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة في ضوء التوترات المتكررة. وجاء الجواب بصيغ مختلفة لكنه بمضمون واحد وهو: «إنك تسأل عن الحرب التي لن تقع». ولم يتردد بعضهم في القول إن إيران تجيد الإقامة على شفير الحرب من دون الانزلاق إليها.

طلبت تفسيراً لهذه القناعة باعتبار الحرب مستبعَدة فجاءت الأجوبة: دعك من لغة التعبئة والإعلام. إيران تعرف أن الجيش الأميركي قوة هائلة قادرة على تدمير أي هدف في العالم. لا مصلحة لنا في الاصطدام بقوة نعرف أنَّها قادرة على إعادتنا عقوداً إلى الوراء. الطائرات الأميركية يمكن أن تُلحق خسائر فادحة بمصانعنا ومطاراتنا وبكل ما حققناه منذ انتصار الثورة.

لكن مع التفسير تأتي تأكيدات: هذا لا يعني أبداً الاستسلام أمام طغيان القوة الأميركية. نحن نملك أوراقاً للضغط، ونجيد استخدامها. ثم إنَّ أميركا تعرف في المقابل أهمية إيران وحجمها واستحالة تكرار التجربة العراقية على أرضها، أي إسقاط النظام بغزو بري. كل هذا لا يعني أننا نقبل بالسياسة الأميركية في المنطقة سواء في فلسطين أو خارجها. نحن في مواجهة مع أميركا لكنها مواجهة في المنطقة وليست في الداخل الإيراني. لن تبقى المنطقة بُحيرة تصطاد فيها أميركا ما تشاء بغض النظر عن إرادة أهلها، ونحن لنا حلفاء في أكثر من مكان. الرهان على الأذرع وحروب الاستنزاف بالواسطة.

كان قرار تفادي المواجهة العسكرية المباشرة مع أميركا حاضراً في أصعب الظروف التي عاشتها المنطقة. وفي الوقت نفسه كانت إيران تقود انقلاباً كبيراً على الحضور الأميركي في الشرق الأوسط. كان الغرض من العمليات الانتحارية التي نُفذت في بيروت تقويضَ الحضور الأميركي والغربي في هذا البلد. وتولى الجنرال قاسم سليماني شخصياً هندسة عملية استنزاف الوجود العسكري الأميركي في العراق، وتسهيل تسرُّب «المجاهدين» إلى الأراضي العراقية.

وحقق الانقلاب الإيراني نجاحاً واضحاً حين تكرست سوريا حلقة ثابتة في المحور، وباتت طريق سليماني مفتوحة من طهران إلى بيروت بعد المرور في العراق وسوريا، لكن ذلك من الماضي. تغيرت بيروت وتغيرت دمشق. وها هم الحوثيون يستجيرون بالأنفاق في معركة بلا آفاق. تفكك المحور تحت وطأة الوحشية الإسرائيلية والدعم الأميركي والتفوق التكنولوجي.

هل سلمت إيران بأنَّ حقبة الانقلابات التي غيرت موازين القوى في المنطقة وأربع خرائط منها قد انتهت؟ لا شك أنَّ إيران التي ذهبت إلى المفاوضات الحالية مع أميركا ذهبت بأوراق أقل. «حماس» نفسها تطرح هدنة لخمس سنوات، وتعلن تخليها عن الرغبة في إدارة القطاع. «حزب الله» لا يملك هو الآخر خيارات كثيرة. يصعب عليه الرجوع إلى الحرب بعدما باتت سوريا في عهدة الرئيس أحمد الشرع. يُعرف أيضاً أنَّ أكثرية اللبنانيين تُعارض العودة إلى الحرب، وتؤيد حصر السلاح بيد الدولة.

المفاوضات الأميركية - الإيرانية مفتوحة. والقفز من القطار صعب، وينذر بعواقب وخيمة. وإيران تفاوض بواقعية ما بعد «الطوفان».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إيران واقعية ما بعد «الطوفان» إيران واقعية ما بعد «الطوفان»



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt