توقيت القاهرة المحلي 22:39:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

قمة الأرجنتين ورياح الواقعية

  مصر اليوم -

قمة الأرجنتين ورياح الواقعية

بقلم - غسان شربل

كان طبيعياً أن يتابع العالم باهتمام أعمال قمة العشرين التي عقدت في بوينس آيرس. ولا مبالغة في القول إن القمة تشبه اجتماع مجلس إدارة العالم. المشاركون فيها يمثلون ثلثي سكان العالم، و85 في المائة من إجمالي الناتج العالمي. لقد تحلق حول الطاولة ممثلو أقوى الاقتصادات في العالم، وبعضهم يمثل الدول الأكثر تأثيراً على الصعيد السياسي، فضلاً عن الجيوش الأكثر تطوراً.

ولم تكن سيناريوات التشاؤم غائبة تماماً. ثمة من كان يخشى أن تعجز القمة حتى عن إصدار بيان في ختام أعمالها. وهناك من ذهب حدّ التكهن بأن محطة بوينس آيرس ستطلق الحرب التجارية بين أميركا والصين على مصراعيها. وتخوف آخرون من أن يكون العالم مندفعاً إلى أزمة مالية أكثر حدة من تلك التي أدت إلى ولادة هذا التجمع الضخم قبل عشر سنوات.

لم تصدق توقعات المتشائمين. كانت الخلافات واضحة على الطاولة، وهي تشمل استراتيجيات ومفردات ومقاربات. لكن لم يُظهر أي فريق رغبة في التصعيد، وتحميل الاقتصاد العالمي أثقالاً إضافية. يمكن القول إن قدراً من الواقعية رافق البحث في الخلافات، وإن انعقاد القمة في بلاد التانغو شجّع كل فريق على الالتفات إلى حسابات شريكه ومخاوفه، وضرورة توفير قدر من الانسجام مع خطواته.

موضوع عربي استأثر باهتمام الصحافيين والمتابعين للقمة، وهو مشاركة السعودية بوفد يرأسه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. ومبعث الاهتمام أن جهات أشاعت أن مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي سيدفع بلاده إلى قدر من العزلة على الصعيد الدولي. إنها الجهات نفسها التي بادرت، ومنذ اللحظة الأولى، إلى استغلال جريمة القتل التي تعهدت القيادة السعودية بمعاقبة مرتكبيها. على مدى شهرين، أطلقت هذه الجهات حرباً من التسريبات والشائعات بهدف النيل من موقع السعودية ودورها، ومن موقع ولي العهد ودوره.

ولا مبالغة في القول إن مشاهد قمة العشرين أصابت هذه الجهات بخيبة ونكسة. كانت المصافحة الودية والحميمة بين بوتين ومحمد بن سلمان رسالة واضحة، وسرقت الأضواء مما كان يجري حولها. وترافق اللقاء بين الرجلين مع الإعلان عن تمديد اتفاق خفض إنتاج النفط. وحرص بوتين على الإشادة بالدور المسؤول الذي تلعبه السعودية، ودور ولي العهد في ضمان تنفيذ هذا الاتفاق. الرسالة الأخرى جاءت على لسان الرئيس الصيني، خلال لقائه ولي العهد السعودي، فقد أكد أن استقرار السعودية يمثل حجر الزاوية لازدهار الخليج وتقدمه، وأن الصين تؤيد الرياض بشدة في حملتها للتنويع الاقتصادي والإصلاح الاجتماعي. أظهرت اللقاءات الواسعة التي أجراها الأمير محمد بن سلمان حجم تقدير الدول الكبرى والمؤثرة للدور المسؤول الذي تقوم به السعودية في مكافحة الإرهاب والتطرف، وضمان استقرار الاقتصاد العالمي، وحجم التقدير لعملية الإصلاح والتحديث التي تشهدها المملكة.

بين ولادة مجموعة العشرين ومؤتمرها الأخير، تغيرت أشياء كثيرة في العالم؛ تأكد الصعود الآسيوي، واستحقت الصين موقع الاقتصاد الثاني في العالم. عززت روسيا حضورها السياسي والعسكري في العالم، من دون أن تتمكن من إحداث قفزة نوعية يحتاجها اقتصادها. يضاف إلى ذلك أن العلاقات الأوروبية - الأميركية تجتاز امتحانات متواصلة منذ فوز دونالد ترمب بالبيت الأبيض، هذا عدا أن الأسرة الأوروبية نفسها تعاني من أمراض التفكك والوهن.
تغيرت أشياء أخرى: أزمة المناخ باتت أكثر إلحاحاً، ولم يعد العالم يملك ترف إرجاء المعالجات إلى عقود مقبلة. وتزايد القلق من أمواج هائلة من العاطلين عن العمل سيطلقها التطور التكنولوجي وقدرة الآلة على الاضطلاع بمهام أكبر وأوسع. ولهذه المشكلة آثارها الأكيدة على الاستقرار والازدهار معاً. وهناك الهاجس الدائم المتعلق بإنتاج الغذاء، فضلاً عن شعار القمة نفسها، وهو «بناء توافق من أجل التنمية العادلة المستدامة».

كانت المحطة الأميركية - الصينية بين أبرز ما شهدته المداولات على هامش القمة. فقد خرج ترمب من اجتماعه مع الرئيس شي جينبينغ ليصف اللقاء بأنه «رائع ومثمر، ويفتح مجالات غير محدودة أمام الصين والولايات المتحدة». وحرص الجانب الصيني على القول إن النتيجة «مربحة للطرفين». وعلى الصعيد العملي، توصل الجانبان إلى هدنة لمدة ثلاثة أشهر في الحرب التجارية بينهما، التي تهدد الاقتصاد العالمي. ففي موازاة موافقة واشنطن على تجميد قرارها رفع الرسوم الجمركية على بضائع صينية، وافقت بكين على شراء كميات «لم تحدد بعد، لكنها كبيرة جداً» من السلع الأميركية. وهذا يعني أن ترمب يعطي فرصة للتوصل إلى اتفاق يطوي صفحة الحرب التجارية، وأن الصين تقر في المقابل بوجود خلل في التبادل التجاري يمكن تصحيحه.

في المحطة الأميركية – الروسية، كانت العودة إلى التانغو صعبة. التصعيد الأخير بين روسيا وأوكرانيا لم يترك لترمب خيارات كثيرة، في ضوء نتائج الانتخابات النصفية، واتخاذ كثر في الكونغرس موقف المتربص، خصوصاً بالنسبة إلى الخيط الروسي الذي بدأ الحديث عنه غداة دخول ترمب البيت الأبيض. ألغى ترمب لقاءه المقرر مع بوتين، لكنهما تحادثا سريعاً على الهامش، وبدا أن سيد الكرملين يتفهم ظروف الرئيس الأميركي، لهذا اكتفى بعد الإلغاء بالتشديد على أن الحوار ضروري، وسيستأنف حين يصبح الجانب الأميركي جاهزاً.

لم يكن متوقعاً أن تطوي قمة بوينس آيرس الملفات الخلافية بين المشاركين، لكن يمكن القول إن رياح الواقعية هبّت على أسلوب التعامل مع هذه الخلافات، ما يعطي العالم فرصة لالتقاط الأنفاس، والتفرغ لتوسيع ما هو مشترك في التصورات حول الوضع الاقتصادي العالمي، وحول التوترات السياسية بين الدول الأعضاء. قدر من الواقعية وقدر من روح التانغو في بلاد التانغو.

نقلا عن الشرق الاوسط اللندنية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قمة الأرجنتين ورياح الواقعية قمة الأرجنتين ورياح الواقعية



GMT 16:27 2025 الأحد ,24 آب / أغسطس

سلامٌ.. من أجل القمح

GMT 01:56 2024 السبت ,11 أيار / مايو

شعب واحد في بلدان كثيرة

GMT 01:48 2024 السبت ,11 أيار / مايو

من النهر للبحر... هناك مكان للجميع

GMT 01:31 2024 السبت ,11 أيار / مايو

عالم الحروب وسلام «كانط» الدائم

GMT 01:28 2024 السبت ,11 أيار / مايو

اتفاق غزة... الأسئلة أكثر من الإجابات!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt