توقيت القاهرة المحلي 10:18:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حديث استقرار على ضفاف النيل

  مصر اليوم -

حديث استقرار على ضفاف النيل

بقلم:غسان شربل

أتحاشَى زيارةَ مقرِ جامعةِ الدول العربية على رغم خيطِ الودِّ الذي ربطنِي بمن تناوبُوا على قيادتِها في القرن الحالي. الصّحافي زائرٌ ثقيلٌ بطبيعة مهنته. وارتبطتِ الجامعةُ في ذهنِي بصورةِ قاربٍ يبحرُ في بحرٍ عاصفٍ من الأزمات والتحديات والحساسيَّاتِ ومن دون تسليحِه بما يكفي لجبهِها. فالجامعةُ العربية، كمَا مجلس الأمن الدولي، تستعير قوتَها مما تضخُّه الدولُ العربيةُ البارزةُ في عروقها. وفاقُ كبار اللاعبين يرفدُها بالقوَّة والدور، وغيابُه يقصر دورَها على توزيعِ التَّمنياتِ والضماداتِ والتذكير بالمبادئ.

هذه هي الأفكارُ التي راودتني في الطريق إلى مكتبِ الأمين العام أحمد أبو الغيط. كانتِ الزيارةُ للمجاملةِ، فأنا أشعرُ بأنَّ شاغلَ هذا المنصبِ يتعذَّبُ كثيراً كلَّما حدَّقَ في مكتبِه بخريطة العالمِ العربي. وكانَ أبو الغيط كعادتِه لطيفاً ورحباً وراقياً علاوة على كونِه قارئاً نهماً.

لن أنقلَ عن الأمينِ العام كلاماً محدداً لأنَّ اللقاءَ لم يكن مخصصاً للنشر. استوقفني في كلامِه قلقُه من الوضعِ الدوليِّ الحالي الذي يحسنُ بالعربِ الالتفاتُ إليه. إنَّه وضعٌ دوليٌّ شديدُ الخطورة، لأنَّ الخطأ المكلفَ يبقى وارداً سواء على الساحة الأوكرانيةِ أو في محيط تايوان. وكلُّ هذا ينعكس في الشرقِ الأوسط حيث تواصلُ الحرائقُ اشتعالَها، وينذر بعضُها بمزيدٍ من الالتهاب.

بدا الأمينُ العام قلقاً من خطرِ استمرار العدوانِ الإسرائيلي الوحشي في غزةَ والسياسةِ الانتحارية التي تتمسَّك بها حكومةُ بنيامين نتنياهو. ولم يخفِ قلقَه من احتمالاتِ التَّفكُّكِ السوداني وترسخِ الانقسامِ الليبي، واستمرارِ لبنانَ أسيراً في الفخ الذي وقعَ فيه، وبطءِ استعادةِ سوريا لمواصفاتِ الدولةِ المكتملة الأركان. وجدتُّه قلقاً أيضاً من ازدياد الفقر وعددِ العرب المقيمين في خيام اللجوءِ أو النزوح وانعكاسات ذلك على التنميةِ وضرورة اللحاقِ بالعصر وثوراتِه التكنولوجية المتلاحقة.

ولا غرابةَ أن يسودَ القلقُ في مقرّ الجامعة. كانَ على الأمناء العامّينَ في القرن الحالي أن يتعايشوا مع تراجعِ دور العربِ في الإقليم. التدخلاتُ الدوليةُ الفظة تمَّت على أرضهم. والمبارزاتُ الإقليميةُ لا تدور إلا على ملاعبِهم وبدمِ أبنائهم. والدولُ التي صدعها «الربيع العربي» تجدُ صعوبةً بالغةً في استعادةِ ما كان، وبعضُها دخلت تغييراتٌ على هويتِه وقاموسه.

في الفندقِ المقيم على شفير النيل قالَ صديقٌ يمنيٌّ إنَّ الانهيار في بلاده لم يكن قدراً محتوماً. وقال إنَّه بحكمِ ملازمته للرئيس الراحل علي عبد الله صالح يعتقد أنَّه كانَ باستطاعةِ الأخير الإفادة من أوراق عدة لولا «نصائح» زائرةٍ صعبةٍ اسمُها هيلاري كلينتون. أضاف أنَّ إدارةَ أوباما كانت اتخذت قراراً بإزاحة حسني مبارك وعلي عبد الله صالح لمصلحة ما توهَّمت أنَّه «إسلام معتدل يمكن تسويقُه». اعترف بأنَّه لا يرى ضوءاً في آخر «النَّفق اليمني الرهيب»، مشيراً إلى أنَّ مصرَ قدَّمت خدمةً هائلة لنفسها وللمنطقة حين «أنقذت نفسَها من النَّفق الإخواني». وقال: «هل لك أن تتخيَّل وضعَ مصرَ والمنطقة لو استمرَّ حكمُ محمد مرسي وتمزَّقت مصرُ وتطاير الشَّررُ في كلّ اتجاه؟».

ذكرني حديثُ الصديقِ اليمني بأنَّني كنتُ في القاهرة في مهمةٍ صحافية بمنتصف يونيو (حزيران) 2013، وقبل أيامٍ من المظاهرات الضخمة التي غيَّرت مصيرَ مصرَ وشيَّدت جداراً أمام «الموجة الإخوانية».

تذكَّرت عباراتٍ سمعتُها في تلك الأيام التي سبقت إزاحةَ مرسي. قال عمرو موسى إنَّ مصرَ على وشكِ الانفجار وإنَّ «الإخوان لم يصنعوا الثورة لكنَّهم انضمُّوا إليها وقطفوا ثمارها»، مشدداً على أنَّ «الدولة الدينية ليست في مصلحة مصر». وسمعت من محمد البرادعي أنَّ «الإخوان سرقوا الثورة وفشلوا بامتياز». وأضاف: «التقيت مرسي في القصر وصارحته وشعرت بغياب الصدقية ويئست منه». وسمعت من حمدين صباحي أنَّه التقى المرشحَ محمد مرسي وسأله: هل ستكون رئيساً مستقلاً في حال فوزك؟ «فعجز عن الإجابة ورد: أريدك معي نائباً للرئيس». أمَّا أحمد شفيق الذي التقيته خارج مصر فقد اتَّهم «الإخوان» بأنَّهم «سرقوا الثورة والرئاسة معاً».

ولأنَّ المهنةَ تقضي بسماع الرأي الآخر قصدت مقر حزب «الحرية والعدالة» الذراع السياسية لـ«الإخوان». لم ألمس أثراً للقلق لدى سعد الكتاتني الذي دعاني مبتسماً إلى صورة تذكارية معه ومع بعض أركان حزبه وزائريه.

ذهب عصام العريان أبعدَ من الكتاتني في الطمأنينة. لم يتوقَّع فقط أن يكملَ مرسي ولايته؛ بل أن يفوز أيضاً بولاية ثانية. قال لي واثقاً إنَّ 30 يونيو سيشهد مظاهرات سلمية ولكنَّه سيكون «يوماً عادياً». لم يشعر بالغليان الذي كان يمسك بمشاعر الخائفين على الاستقرار ومن محاولة «إدخال عناصر جديدة على هوية مصر».

تذكَّرت أيضاً ما سمعته من محمد حسنين هيكل. قال إنَّه التقى مرسي وخرج بانطباع أنَّ «الإخوان» لا يملكون «رؤيةً واقعية ولا برنامجاً واضحاً ولا يمتلكون أيضاً كوادرَ مؤهلة لإدارة بلد بحجم مصر»، معرباً عن اعتقاده أنَّ المعركة السياسية ستكون صعبة والمهم ألا تؤدي إلى زعزعة ركائز الاستقرار.

يلتقي في القاهرة وافدون من بلدان قامرت بثروة الاستقرار وخسرتها. من حسنِ حظِّ مصرَ أنَّها مستقرة بفضل يونيو 2013 وأنَّها تحاول إطفاءَ الحرائق المشتعلة في محيطها وهي مهمةٌ حيويةٌ وشاقة. فالأمنُ الحقيقي مشروطٌ بالاستقرار والأمر نفسُه بالنسبة إلى الازدهار.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حديث استقرار على ضفاف النيل حديث استقرار على ضفاف النيل



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt