توقيت القاهرة المحلي 12:04:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أزمة غاز جيوسياسية في أعقاب حرب أوكرانيا

  مصر اليوم -

أزمة غاز جيوسياسية في أعقاب حرب أوكرانيا

بقلم: وليد خدوري

تَلوح في الأفق أزمة جيوسياسية بين الدول الغازية، روسيا والولايات المتحدة، وغيرهما من تلك المنتجة للغاز، في التنافس على تلبية الطلب في السوق الأوروبية، التي تعد من كبرى أسواق الغاز عالمياً. هو نزاع متوقَّع بعد توقف الحرب الروسية - الأوكرانية، إذ ستُضطر أقطار السوق الأوروبية المشتركة إلى اتخاذ قرار جديد فيما يتعلق باستيرادها للغاز.

خلفية المشكلة تكمن في الحظر الذي فرضته هذه الأقطار في فبراير (شباط) 2022 على استيراد النفط والغاز الروسيين؛ عقاباً لغزو موسكو لأوكرانيا، بمشاركة كل من بريطانيا والولايات المتحدة. لكن اليوم باتت الولايات المتحدة دولة مصدّرة للنفط والغاز، كما أن بريطانيا مصدّرة للنفط ومكتفية غازياً. لذا وقع عبء الحظر النفطي على أقطار السوق الأوروبية، مما فرض على دولها إجراء تغيير واسع في سياستها لاستيراد الغاز، مع الأخذ في الاعتبار أن تلك الجنوبية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، أصبحت أكثر اعتماداً على الغاز المصدّر عبر الأبيض المتوسط (اليونان، وإيطاليا، وفرنسا، وإسبانيا، والبرتغال)، بينما اضطرت الدول الشمالية (هولندا، والنمسا، وبالذات ألمانيا) إلى زيادة طاقتها لاستيعاب الغاز المسال. والدولة الأوروبية الوحيدة ذات الطاقة التصديرية الغازية المحدودة هي النرويج.

خلال الفترة الأخيرة، اختلفت سياسة أقطار السوق الأوروبية لاستيراد الغاز بشكل واسع، نظراً إلى موقفها المعادي لروسيا في الحرب الأوكرانية، وتخوفاً من اعتداءات روسية أخرى على دول أوروبية مستقبلاً. ففي يناير (كانون الثاني) 2026، وخلال الحرب الأوكرانية، استوردت 60 في المائة من الغاز المسال من الولايات المتحدة، مقارنةً بنحو 24 في المائة استوردته قبل حرب أوكرانيا. ومعنى الفرق في نسبة هذه الإمدادات هو ما تم الحصول عليه من أقطار أوروبا الشمالية (بالذات ألمانيا) من الغاز المسال الكندي والأميركي.

ما حصل هو ولوج شركات أميركية خاصة منذ منتصف عقد العشرينات للقرن الحادي والعشرين، مع بداية التطوير التجاري للنفط والغاز الصخري الأميركي عام 2014-2015، مما قلب رأساً على عقب الصناعة النفطية الأميركية. فبعدما كانت الولايات المتحدة حتى حينه تستورد النفط والغاز من الخارج، أصبحت منذ النصف الثاني للعقد الثاني واحدة من كبرى ثلاث دول منتجة للنفط عالمياً، إلى جانب السعودية وروسيا. باتت دولة مصدّرة للنفط والغاز.

بالفعل، طرأت تغييرات كبرى على صناعة الغاز المسال العالمية. ففي عام 2010، اشترت مجموعة «شل» ممتلكات وأصول شركة «بريتيش غاز» حول العالم؛ ومن ضمن الأصول التي اشترتها «شل» أصول وعقود في صناعة الغاز المسال العالمية. وكانت إحدى هذه الطرق التي أدت إلى توسع صناعة الغاز المسال العالمية وإحداث تغيير جوهري في تجارتها، بدء توقيع عقود لشراء وبيع الغاز المسال لشحنات «سبوت»، أي على أساس العرض والطلب الحالي والجاهز في الأسواق في حينه. وهو ما أدى إلى توسع العمليات في صناعة الغاز المسال، وإلى توسع «استراتيجي» في صناعة الغاز المسال، مما حجز لها حصة مهمة من تجارة الهيدروكربون العالمية... حصة لا تقل أهمية عن تجارة النفط الخام العالمية.

هذا التغيير حصل توازياً مع البدء السريع في تشييد مصانع الغاز المسال على ساحل الولايات المتحدة الجنوبي، مانحاً زخماً إضافياً لتوسع هذه الصناعة. فتوقيت هذا التغيير والتوسع في صناعة الغاز المسال العالمية، وبالذات الأميركية، كان مواتياً عند الانتهاء من تشييد المصانع والناقلات اللازمة على الساحل الأميركي الجنوبي، ومع الغزو الروسي لأوكرانيا.

طبعاً، هذه القدرة الأميركية لتصنيع الغاز المسال، بالإضافة إلى استعمال الغاز الصخري أيضاً لتلبية الطلب الأميركي الداخلي للغاز الطبيعي، لم يكن متوافراً عند المفاوضات الأوروبية مع الاتحاد السوفياتي في منتصف عقد الثمانينات للقرن العشرين، لذا لم تقتنع الأقطار الأوروبية في منتصف عقد الثمانينات بالضغط الأميركي لعدم الاعتماد الكلي على الغاز «السوفياتي» الذي كان وافياً لتلبية الطلب الأوروبي في حينه.

اختلف الوضع كذلك مع انتشار صناعة الغاز المسال وغير المسال ما بين منتصف عقد الثمانينات عندما استثمرت الشركات الغازية الحكومية الروسية مليارات الدولارات لتطوير حقولها في سيبيريا وتشييد خطوط الأنابيب طويلة المدى من الاتحاد السوفياتي السابق إلى الأسواق الأوروبية. فالاختلاف الجديد المهم خلال هذه المرحلة ما بين القرنين العشرين والحادي والعشرين هو نمو صناعة الغاز المسال عالمياً، بالذات في دولة قطر، الكبرى عالمياً، حيث توسعت صادراتها شرقاً إلى الصين وغرباً إلى أوروبا، ناهيك إقليمياً بالتصدير إلى دولة الإمارات.

يكمن الخلاف الآن مع منتصف عقد الثمانينات، في وجود طاقة للشركات الخاصة الأميركية لتزويد الأسواق الأوروبية برمتها. وهذا يعني أن كلاً من الولايات المتحدة وروسيا لديهما طاقة تصديرية في الوقت نفسه لتلبية الطلب الغازي الأوروبي. كما توجد طاقات تصديرية واسعة بالقرب من أوروبا، أهمها طاقة الغاز المسال القطري التي لا يستهان بها، حيث في الإمكان أن توفر إمدادات إضافية لكل من الإمدادات الروسية أو الأميركية. ومما يميز الإمدادات القطرية في الوقت نفسه أن ثمن الاستثمار في مشاريع الغاز المسال؛ من موانٍ وناقلات متخصصة، قد تم دفعه خلال العقود والسنوات الماضية.

كما أنه متوفر لأوروبا خيارات عدة، بالإضافة إلى الغاز القطري. فهناك طبعاً، ومنذ عقود، الغاز الجزائري الذي يصدَّر عبر الأنابيب أو ناقلات الغاز المسال إلى أوروبا. وهناك الغازان المصري والإسرائيلي اللذان يصدَّران عبر محطتي التسييل المصرية. وهناك اتصالات مستمرة ما بين إسرائيل وقبرص واليونان لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا. لكن تستمر هذه المفاوضات منذ فترة طويلة دون اي اتفاق نهائي. وهناك إمكانية لتسييل الغاز الليبي، حيث يوحد مصنع جاهز لذلك لكن لم يتم استعماله بعد. كما أن نيجيريا قد شيّدت أنبوباً لتصدير الغاز وصل إلى المغرب. وهناك أيضاً إمكانية التصدير الواسع للغاز المسال من شرق أفريقيا عبر الناقلات المتخصصة للغاز المسال، والغاز الموزمبيقي جاهز للتصدير إلى أوروبا.

تكمن «الأزمة الجيوسياسية» لأوروبا في الخيار الذي ستتخذه بين الاعتماد على الغاز الروسي فقط أو الغاز الأميركي. ومن الصعب على أوروبا الاعتماد على الغاز الروسي فقط، أو على الغاز الأميركي فقط، إذ إن التعامل مع الطرف الأميركي سيكون مع شركات خاصة. وهنا يُطرح السؤال: ماذا سيكون دور مصدّري الغاز الآخرين من آسيا وأفريقيا، بل حتى من النرويج؟ خيارات ستثير أسئلة عدة ومشكلات متعددة لأوروبا.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أزمة غاز جيوسياسية في أعقاب حرب أوكرانيا أزمة غاز جيوسياسية في أعقاب حرب أوكرانيا



GMT 05:47 2026 الثلاثاء ,28 تموز / يوليو

الآنسة مي والسيدة فاطمة

GMT 05:46 2026 الثلاثاء ,28 تموز / يوليو

بلقيس وأروى وسيادة المرأة

GMT 05:44 2026 الثلاثاء ,28 تموز / يوليو

حرب الهويات والخوف الديموغرافي

GMT 05:42 2026 الثلاثاء ,28 تموز / يوليو

صناعة النفط العراقية وفضائح الفساد

GMT 05:40 2026 الثلاثاء ,28 تموز / يوليو

الفرصة لاستعادة الدولة

GMT 05:39 2026 الثلاثاء ,28 تموز / يوليو

النفط هو المفتاح

GMT 05:37 2026 الثلاثاء ,28 تموز / يوليو

الاستقلالية الاستراتيجية مصدراً للقوة

GMT 05:35 2026 الثلاثاء ,28 تموز / يوليو

أرض سبأ

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 09:24 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحالفك الحظ في الايام الأولى من الشهر

GMT 12:01 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الحمل الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 14:28 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير المصري تدعم إستمرار ميمي عبد الرازق كمدير فني

GMT 10:31 2024 الثلاثاء ,15 تشرين الأول / أكتوبر

علي ماهر يبحث تدعيم الجبهة اليسرى بالمصري بعد رحيل مارسيلو

GMT 12:09 2023 الأربعاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

ليفاندوفسكي يقترب من الدوري الأميركي

GMT 07:32 2021 الأربعاء ,29 كانون الأول / ديسمبر

أداة رخيصة للعرض!

GMT 12:26 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج العذراء الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 01:24 2019 الجمعة ,22 شباط / فبراير

تعرف على نص ما قاله رئيس الزمالك للاعبين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt