توقيت القاهرة المحلي 20:38:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ويصبح الخيال سجينًا

  مصر اليوم -

ويصبح الخيال سجينًا

بقلم - عزة كامل

فى غبش الفجر يأخذنى حنين خفى إلى هناك، أتذكر الأماكن والبيوت والمقاهى والحدائق، أشم رائحة قهوة جدتى وخبزها الطازج، وطعام أمى وعطر أبى، تمر أطيافهم كخاطرة فى الليل، وأسمع كلماتهم العامرة بالشجن والانفعال، أقلب أحوال قلبى على ضفتى النهر، أسير ثقيلة كأننى حجر يأبى التحرك من مكانه، ماذا أفعل فى هذا الفضاء المبلل بالدموع؟.

كل ذكرى أحِنّ إليها هى معركة للنجاة، شرفة الذاكرة مشرعة فى هذا الضباب الكثيف، وأنا أتجول فى المكان، جلست على مقعد شاغر فى الحديقة، وهناك على المقعد الخشبى المقابل كانت تجلس وحدها كأنها على موعد، أحييها، فلا تلتفت إلىَّ، ولا ترد التحية، حدقت مباشرة فى عينيها، تململت فى مقعدها قليلًا، ثم أخذت تختلس النظر إلىَّ، ثم أدارت وجهها، ترى فيمَ تفكر هى الآن؟، فجأة اختفت، كأن الأرض انشقت وبلعتها، صرخت لأوقظ نفسى من الوهم، لقد كنت وحيدة على مقعدى، ولم تكن هناك أخرى تجلس أمامى.

لم يكن هناك إلا ظلى، تيقنت أن هذه الأخرى ما هى إلا أنا، ظل يصارع ظلًّا، نهضت ومشيت أطوى ظلى، وأتحسس جسدى الذى أصبح طيفًا هامسًا، يزغلل عينى وهج ضوء النهار الذى يتلكأ، أدركنى التعب، أوراق الأشجار ترتعش كأنها تسخر من شرفة الذاكرة، التى لم تعد تؤنس وحدتى، أسمع همسًا: «كم أنتِ أسيرة الذكريات»، ما أقسى الانتظار واللاانتظار.

فى هذه اللحظة مزقنى الحنين الذى يوخز القلب، عيناى محدقتان، بينما أحاول أن أتنفس فى ذلك الحر المشرب بالرطوبة، تبدو الأشياء أمامى كلوحة غير مكتملة لرسام يعانى الوحدة، حين يخبو العمر تصبح الوحدة أكثر قسوة من الموت، أصرخ فى هذا الفضاء القاسى: «إننا بشر، ولسنا حجرًا، نثرثر حين يجف الكلام، نحب ونحزن ونفرح ونحتاج إلى خيال يحفزنا، وأمل يؤنسنا، شهوتنا للحياة أقوى من الموت، يوجعنا شوك الورد حين يجرح جدار القلب، وحين نفيق ولا نجد الحلم، تتسرب الحياة بكامل نقصانها أمامنا، ويصبح الخيال سجينًا لماضٍ لم نُشْفَ منه».

لقد كانت أمنيتى فى صباى أن أكون بحّارة، أجوب البلاد والبحار وأصادق الطيور والأسماك، وأستمع للحكايات والأغنيات، وأمنح حبى للأشياء دون مقابل، ولا أخشى ظلمة ولا إعصارًا، ويخفق قلبى مع أبعد نجم، بحّارة تستبعد الموت، وتؤمن بالحياة، تحمل الحب والود والألفة بين ضلوعها، وتملك فضاء اليابس والماء، لكن ما أصعب الأمنيات، فهى بعيدة المنال، وبالرغم من لجّة الوحدة العميقة، مازالت الحياة ترفرف بين طيّات روحى مجددًا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ويصبح الخيال سجينًا ويصبح الخيال سجينًا



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 15:08 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

منة شلبي تتعاقد على مسلسل "عنبر الموت"
  مصر اليوم - منة شلبي تتعاقد على مسلسل عنبر الموت

GMT 05:45 2026 الإثنين ,23 آذار/ مارس

أودي تكشف الستار عن E7X الكهربائية الجديدة

GMT 08:10 2021 الثلاثاء ,14 أيلول / سبتمبر

الفنانة صابرين تعرب عن سعادتها بدورها في «عروستي»

GMT 13:57 2017 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

أحمد فتحي ينافس محمد مفتاح على لقب أفضل ظهير في أفريقيا

GMT 12:14 2021 الإثنين ,15 شباط / فبراير

شقيق ضحية عقار روض الفرج المنهار يوضح التفاصيل

GMT 04:54 2020 الثلاثاء ,15 كانون الأول / ديسمبر

وصفات طبيعية لحماية بشرتك من الجفاف

GMT 08:20 2018 الجمعة ,23 شباط / فبراير

إيمان العاصي تُصوِّر "سري للغاية" و"حرب كرموز"

GMT 17:48 2017 الأربعاء ,11 تشرين الأول / أكتوبر

نماذج الوحدات السكنية في العاصمة الإدارية الجديدة لمصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt