توقيت القاهرة المحلي 00:14:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حذارِ منع المحاسبة والعفو عن الجرائم المالية!

  مصر اليوم -

حذارِ منع المحاسبة والعفو عن الجرائم المالية

بقلم:حنا صالح

أنهى اتفاق الطائف الحرب الأهلية، ورسم سياق تعديلات دستورية جدية. لكن السلطة الناشئة في ظلِّ هيمنة النظام الأسدي شرّعت قانون عفو عن جرائم الحرب؛ ما أرسى الأسس الكارثية للمسار الذي عاشه لبنان منذ صدوره مطلع تسعينات القرن الماضي. ساد نظام حصانات ومحاكم استثنائية وتمترست المنظومة السياسية خلف نظام الإفلات من العقاب!

انتقل زعماء الحرب الأهلية من المتاريس إلى مقاعد الحكم. تحاصصوا الوزارات والمؤسسات مع ميليشيات المال. لم تحصل محاسبة ولم يقر أي طرفٍ بما ارتكبه من خطايا رغم تجاوز أعداد الضحايا 150 ألفاً. تم طمس فظائع الحرب التي أحدثت تغييراً ديموغرافياً قسرياً، وهجّرت نحو مليون مواطن، وخارج المواقف الصوتية استمر مجهولاً إلى يومنا مصير نحو 17 ألف مخطوف. توازياً، أبقى رموز تلك المرحلة خطوط التماس محفورة في وجدان اللبنانيين من خلال ابتداع كل فئة مناسبة تتاجر بها بدماء من تسببت في هدر دمهم والادعاء بصوابية المشروع الذي قتلوا من أجله.

جرى تفصيل السياسة على مقاس مصالح منظومة التسلط. وُضِعت قوانين انتخابية متصادمة مع الدستور زوّرت إرادة الناخبين فتهمشت السياسة ودور البرلمان. وخدمت السياسات المالية مصالح نظام المحاصصة. نهج الاستدانة لم يفضِ إلى تكبير الاقتصاد، وبعض إيجابيات إعادة الإعمار: مطار وشبكة جسور وطرق.

طيلة 3 عقود ونيّف حصل تساكن بين السلاح اللاشرعي والكارتل السياسي المصرفي فأوصل هذا التحالف البلد إلى الجحيم. عُلِّق الدستور وانعدمت السياسة واستتبع القضاء وساد كسل فكري. تعاموا بالجملة عن استتباع البلد محور الممانعة، ومع مناخ الخروج على الدستور استبيح كل شيء: اغتيل الحريري وأُخذ البلد إلى حرب يوليو (تموز) 2006 المدمرة، وفُرض الشغور في الرئاسة حتى استكمل «حزب الله» انقلابه فترأس ميشال عون ما خنق لبنان وعزله عن محيطه العربي وأصدقائه فتسارع مسار الانهيار.

بين غمضة عينٍ وانتباهتها، استفاق نحو مليوني مُودِع على الكارثة. لأشهر لم يصدقوا أن جني الأعمار قد سُرق، وتبدلت أحوال الناس وانتقلوا من اليسر إلى العسر. لم يصدق المواطن أن المصرف لم يعد مكاناً آمناً لأمواله، وأرعبه أن المفترض بهم حماة حقوقه شركاء بهذه المنهبة. وعلناً، قرر اجتماع رفيع ترأسه الرئيس السابق ميشال عون حماية الناهبين بفرض رفع يد القضاء عن دعاوى أصحاب الحقوق. وتوازياً، أسقط البرلمان خطة لازارد المحاولة اليتيمة لتحديد المسؤوليات وسبل استعادة المنهوب!

طيلة 6 سنوات عمَّت الفاقة واتسع العوز، وارتبطت القدرة على البقاء بتعاميم غير قانونية اقتطعت كمتوسط 75 في المائة من الودائع مع تسعير الدولار بـ3900 ليرة ثم 8000 ليرة ومنذ سنوات بـ15000 بينما السعر الحقيقي 89500 ليرة. وأُسدل الستار على «التدقيق الجنائي» بوضعية مصرف لبنان، لتنفجر ارتكابات الكارتل المصرفي أمام القضاء الدولي؛ ما أفشل مؤقتاً المخطط المافياوي تشريع عفوٍ عن الجرائم المالية!

عجّلت كارثة حرب الإسناد بولادة عهد لبناني جديد، فأعاد خطاب القسم الأمل وشجع البيان الوزاري على التفاؤل. وبالتأكيد لا أولوية تفوق حصر السلاح بيد الدولة وبسط السيادة بواسطة القوى الذاتية. والأكيد أن الآليات التي وضعها الجيش لجمع السلاح لن تعيقها عنجهية «حزب الله» الذي يعيش حالة إنكار وانعدام توازن. لكن هذا الجانب المهم غير كافٍ لاستعادة الدولة المهابة الجانب العادلة والقوية.

تعهد نواف سلام إعادة الإعمار، وتضمن البيان الوزاري تعهدات أخرى: استكمال «التدقيق الجنائي» لكشف المستور أمام القضاء، والعدالة لضحايا تفجير المرفأ ولأصحاب الحقوق. وأعلن سلام أن القوانين الانتخابية منذ عام 1990 متصادمة مع الدستور. وتعهد بسياسة تعكس الهجرة من الخارج إلى الداخل، وهو يعلم بأن سنوات الانهيار بعد عام 2019 هجَّرت نحو 500 ألف جُلّهم كفاءات شابة. وبعد 9 أشهر على ولادة الحكومة لم توضع هذه التعهدات في التنفيذ. وقوى المرحلة السابقة تقاتل للإبقاء على قانون انتخاب يحرم المغتربين من حقهم الدستوري في الاقتراع لـ128 نائباً في إصرارٍ فج على تكريس التزوير. وبينما يتعمق «الهيركات» على الودائع لتدفيع المودعين ثمن اللصوصية، فإن ما يطرح بشأن «الانتظام المالي» يمنع المحاسبة ويكرّس عملياً العفو عن الجرائم المالية، تتمته السطو على احتياط الذهب.

مشهد سريالي تصدر بعض نظام المحاصصة في موضوع جمع السلاح، وهم شركاء الكارتل المصرفي وحماته، وأولويتهم منع المحاسبة، وإن أدى ذلك إلى فقدان الاستقرار الاجتماعي ومنع قيام دولة العدالة والأمان... بسط السيادة أولوية، لكن الوجه الآخر لهذه الميدالية سيادة مالية ومحاسبة؛ لذا مستحيل التعافي مع بقاء البلد رهينة من أوصله إلى الجحيم. إنه التوقيت المناسب لبلورة قطب شعبي، يعبّر عن النسيج الحقيقي للبنان، فينهي الخلل في ميزان القوى الوطني، يمتص الخصوصيات المناطقية والطائفية ويبلور البديل السياسي، فلا يخسر لبنان فرصة بلوغ المكانة التي تليق بشعبه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حذارِ منع المحاسبة والعفو عن الجرائم المالية حذارِ منع المحاسبة والعفو عن الجرائم المالية



GMT 06:33 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... باردة وصارمة

GMT 06:30 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

بعدما فازت إسبانيا... ماذا عن «نظريات» ميسي؟

GMT 06:28 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

النظام العالمي والفرصة الأخيرة

GMT 06:26 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

آفاق مستقبل النفط

GMT 06:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

تفاهمات «الاتفاق الإطاري» في التطبيق

GMT 06:21 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الشرق الأوسط... حروب أم بداية حلول؟

GMT 06:20 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الناس والأسماء والسياسة

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 16:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027
  مصر اليوم - ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt