توقيت القاهرة المحلي 23:36:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لبنان في عنق الزجاجة

  مصر اليوم -

لبنان في عنق الزجاجة

بقلم:حنا صالح

كل يوم يمر يتجلَّى معه عمق المأزق الذي يمر به لبنان. إسرائيل تقضم الأرض بعد اقتلاع كامل أهلها وتهجيرهم، وإيران بـ«فيلق القدس» تعبث بالبلد، ومتمسكة بقضم القرار اللبناني.

لقد وضعت الحرب الإسرائيلية- الإيرانية على البلد كل المواطنين تحت وطأة أقسى عقاب جماعي. مكَّنت إسرائيل من ترميد منطقة واسعة، وإعادة الاحتلال الذي امتد من البحر غرباً إلى جبل الشيخ شرقاً، مع اتصالٍ بالجنوب السوري المحتل، في سياق الاستراتيجية العدوانية لإسرائيل باعتماد مخطط «الدفاع المتقدم»، في عمق الأراضي اللبنانية، مستبيحاً كل شمال الليطاني حتى السلسلة الشرقية وآخر تلال الهرمل.

توازياً، طوى نظام الملالي عنوان «المقاومة» بعدما ابتذل دورها في الإقليم والحروب من لبنان كوكيل عنه. وتحول «حزب الله» من لحظة إطلاقه صواريخه، إلى ورقة محروقة، لا مكانة له خارج السقف الإيراني، بدليل غياب الحرج عن محمد باقر قاليباف وهو يصف هذه الحرب بأنها لـ«الدفاع عن إيران» (...) ولوهلة بدا أن من «حقوق» نظام الملالي استخدام لبنان كساحة لمشاريعه، ولو بلغ الثمن مسح 61 بلدة جنوبية عن الخريطة، وتهجير مليونين، يعلن العدو الإسرائيلي أنه لا عودة لهؤلاء وهم أهل الأرض وروحها.

هذا المشهد المروّع هو ما حدا بالسلطة (رئاسة جمهورية وحكومة) إلى المبادرة بإعلان خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل، لوقف الهزيمة عند الحدود التي بلغتها، وللمطالبة بانسحاب المحتل بعد وقف اعتداءاته على لبنان. في مثل هذا الوضع، لا يُعدُّ التفاوض جريمة؛ بل الجريمة هي في الاحتلال المتآتي عن خيارات كارثية مدمرة اعتمدها «حزب الله» في انصياعه لمخططات مشغليه في طهران، لا يملك لبنان التأثير على قرارها. وأرفقت السلطة هذه المبادرة بإعلانها قرار حظر النشاط العسكري والأمني «لـ«حزب الله»، وقرار إبعاد عناصر لـ«الحرس الثوري»، وهم الجهة المسؤولة عن «الاعتداء على قبرص، ويديرون العمليات العسكرية»، وفق رئيس الحكومة نواف سلام، الذي كشف أنهم حازوا جوازات سفر مزورة، ووجودهم في لبنان غير شرعي. بهذا السياق، بات وجود «الحرس الثوري» ومن ضمنه فيلقه اللبناني: «الحزب»، اعتداءً إيرانياً على لبنان.

أيام الهدنة الهشة، وكذلك جولتا المفاوضات التمهيدية التي قدمت مشهدية استثنائية، وكأن القضية اللبنانية بين أولويات الرئيس ترمب، معطوفة على كسر بيروت «تابو» المفاوضات المباشرة، قد لا تفضي إلى تحقيق مطالب الدولة اللبنانية. صحيح أن عملية التفاوض باتت مفصولة عن الملف الإيراني، ولكن الواقع على الأرض مغاير. بوسع «حزب الله» بعد تسمينه بمجموعات من «فيلق القدس»، إطلاق مزيد من الصواريخ باتجاه المواقع التي استحدثها العدو الإسرائيلي في الجنوب المحتل. كما أن الشباب المتروكين بين ركام البيوت، وبينهم فتية أعمارهم بين 14 و16 سنة، وقد قُطعت سُبل التراجع أمامهم، سيقاتلون حتى آخر نفس، ما سيسرع عداد الموت ويفاقم الدمار، ويعزز تمسك العدو الإسرائيلي بإدامة الاحتلال، ليبرز التخادم، فيمنح الاحتلال المشروعية للسلاح غير الشرعي، والعكس بالعكس، فتزداد خسائر لبنان والأثمان المطالَب بها!

وسط هذه اللوحة، يقدم لبنان خطوة أكبر مع إعلان الرئيس جوزيف عون النية «لاعتماد أي وسيلة كفيلة بإنهاء الحرب والدمار». وكشف أن مسار التفاوض المطروح ينطلق من «مبدأ إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل». ولكن سيطرة حالة من التوتر وإطلاق التهم وتخوين السلطة لم تساعد لبنان في بلورة ما يخدم المصلحة الوطنية، لتسود حالة مقلقة بين جهات مستعجلة روَّجت فوراً لما سمَّته «سلام الجنوب»، واستفظعت تحفُّظ الرئاسة على مصافحة تجمع بين عون ونتنياهو، والأرض محتلة والإبادة لم تتوقف، وجهات أخرى تقول بالتفاوض غير المباشر، وتعلن أنَّ السقف يكون بالعودة إلى «اتفاق الهدنة» عام 1949.

هنا يجدر الانتباه إلى أنه بينما يروَّج لـ«السلام» من جهة، ومن جهة أخرى طرح إحياء «اتفاق الهدنة»، ينبغي للبنان أمام استحقاقٍ بمثل هذا الثقل وهذه الدقة، أن يبلور صيغاً وسطية، كـ«اتفاق هدنة بلَس»؛ لأنَّ الزمن تجاوز كل طرح يقول بأن يقتصر الأمر على وقف الأعمال العدائية، الذي كان محورياً آنذاك، استناداً إلى قرار مجلس الأمن الذي صدر تحت الفصل السابع. كان ذلك منطلق «اتفاق الهدنة»، ولكنَّه في الوقت نفسه حمل اعترافاً إسرائيلياً بتاريخية حدود لبنان كما تم تثبيتها في عصبة الأمم المتحدة عام 1924... نهج قد يضمن له مزيداً من التمايز الإيجابي بالموقف الأميركي حيال لبنان، ومزيداً من دعم الأشقاء والأصدقاء، لا سيما من جانب المملكة العربية السعودية، التي أولت كل الاهتمام للحفاظ على الاستقرار الداخلي.

الذهاب إلى التفاوض وهو قرار سيادي مستند إلى الشرعية الدستورية، ليس نزهة، والطريق إليه ليست وردية، إنما هو حاجة وجودية لم يبقَ للبلد سواها يحتمها التوقف بمسؤولية أمام أهوال ما أوصلتنا إليه الحرب المفروضة، وأهوال ما شاهده الناس الذين تمكَّنوا من زيارة الجنوب كأغراب فهالهم ما رأوا!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان في عنق الزجاجة لبنان في عنق الزجاجة



GMT 06:33 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... باردة وصارمة

GMT 06:30 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

بعدما فازت إسبانيا... ماذا عن «نظريات» ميسي؟

GMT 06:28 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

النظام العالمي والفرصة الأخيرة

GMT 06:26 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

آفاق مستقبل النفط

GMT 06:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

تفاهمات «الاتفاق الإطاري» في التطبيق

GMT 06:21 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الشرق الأوسط... حروب أم بداية حلول؟

GMT 06:20 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

الناس والأسماء والسياسة

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 16:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027
  مصر اليوم - ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt