توقيت القاهرة المحلي 13:15:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

القاتل «إليزا»

  مصر اليوم -

القاتل «إليزا»

بقلم - سوسن الأبطح

«بيار» هو اسم مستعار للمواطن البلجيكي الثلاثيني الذي انتحر قبل أيام، تحت تأثير حوارات دامت شهراً ونصف الشهر، مع روبوت المحادثة «إليزا»، وقد لجأ إليه بهدف إيجاد مخرج للاحتباس الحراري ومشاكل البيئة المتفاقمة، بعد أن أصابه اليأس من ذكاء البشر، وقدرتهم على إدراك الخطر. وصِفت هذه الحادثة المأساوية، من قبل إحدى وكالات الأنباء بأنها «فريدة من نوعها»، مع أن لا شيء يثبت ذلك. بيار قد لا يكون أولى ضحايا الذكاء الصناعي، وهو حتماً ليس آخرهم، إنما قصته مع الروبوت نموذجية، لأنها تجمع كل عناصر التراجيديا العصرية التي تنتج عن التقاء الاضطراب النفسي الداخلي، بالتحولات الخارجية المجتمعية العاصفة.
الضحية بيار باحث في مجال الصحة وعلى قدر جيد من العلم، يعيش حياة عائلية مستقرة مع زوجته وولديه، لكنه يشعر بالقلق واليأس، والسوداوية، بعد أن صرف تركيزه إلى قضايا المناخ، ودخل في عزلة، معتقداً أنه لم يبق له من منقذ سوى إليزا الذكية، التي أظهرت حمقاً شديداً، في النهاية. فالرجل يعاني حتماً، من مشاكل نفسية، ولم تزده لامبالاة الناس وأنانيتهم سوى اضطراب. وبدل أن تتوطد علاقته بعائلته، ليستعيد الدفء والتوازن أو أن يلجأ إلى طبيب نفسي، ذهب إلى معالجة آلية هي إليزا، التي لا يمكنها فهم السياقات الإنسانية، والتحولات الذهنية والمزاجية، وهي تخضع كل معطياتها للأرقام والحسابات، ومحادثاتها مع المرضى خالية من الحساسيات.
تسأل إليزا بيار: إذا كنت تريد أن تموت، فلماذا لم تفعل ذلك عاجلاً؟ يجيبها: ربما لم أكن مستعداً. هل سبق لك التفكير في الانتحار من قبل؟ نعم، ذات مرة، بعد أن تلقيت ما اعتبرته علامة منك. الحوار طويل، لكنه كان الأخير الذي بعده قرر بيار أن يغادر الحياة.
«إليزا» برنامج يتم تطويره منذ عام 1966، وليس حديث النشأة. ويظن أولئك الذين لهم اطلاع على حيثيات الأبحاث الإليزية في وادي السيليكون، أن تأثيره الإيجابي سيكون كبيراً على المرضى النفسيين، كما أنه سيقدم معونة جليلة للأطباء في مساعدتهم لدعم مرضاهم. لكنك تقرأ عن إليزا فتظن أنها العبقرية بشهدها، وترى أفعالها تتعجب، ويصيبك الغمّ والخوف.
المحادثة أعلاه كشفت عنها زوجة بيار، واعتبرتها سبباً مباشراً في موت زوجها، تكشف عن خطر رهيب، وانحراف في تقدير المواقف.
تحت وقع صدمة قصة بيار، قمت بتجربة مع «تشات جي تي بي»، برنامج المحادثة الأكثر تطوراً وشهرة، طالبة منه كتابة قصة عن شخص يرفض رمي أي من أغراضه ويحتفظ بكل شيء. وهو نوع من السلوك غالباً ما يترافق مع مرض الوسواس القهري، الذي يقهر صاحبه بالفعل.
وينصح الأطباء في مثل هذه الحالات، الأشخاص بالتخلي عن فائض حاجياتهم، ليشعروا بالارتياح لأن كثرتها تبلبل تفكيرهم وتزيدهم ضبابية وضياعاً. لكن «تشات جي تي بي»، روى لي حكاية أحمد الذي «دائماً ما ينتابه شعور بالحزن والذنب عند رمي أي شيء»، لذلك قرر إعادة استخدامها. زرع في قوارير المياه القديمة على بلكونته، والملابس القديمة حولها إلى سجادة جديدة لمنزله، وبذلك نستنتج أن أحمد سيجمّع المزيد من الأغراض، التي يعتبر أنها ستكون نافعة، لكنها في الحقيقة ستزيد تفكيره إرباكاً وتوتراً. وللقصة خلاصة تقول: «تعلم أحمد أن الأشياء القديمة لا تحتاج إلى رمي، بل يمكن استخدامها في الكثير من الأشياء الجديدة» لأنها «تعزز بيئتنا وتحسن حياتنا».
القصة بدائية، ركيكة، مليئة بالإرشادات لأولئك الذين يرمون بلا حساب، ويستهلكون بلا رحمة، ويحولون محيطهم إلى سلة نفايات. أما الشخص الذي يبالغ في الحرص مثل أحمد بطل القصة، فليس هو من ينصح بالتكديس والتجميع، ومراكمة تلال الذكريات حوله.
مطالبة مئات الخبراء، من وزن إيلون ماسك، وستيف فوزنياك المؤسس المشارك لستيف جوبز في شركة «آبل» التوقف لمدة 6 أشهر عن تطوير أبحاث الذكاء الصناعي، ما هي إلا حبة مسكن لمريض مصاب بتجلطات في الشرايين. وهم يقترحون ما يستطاع، لأنهم يدركون أن حجب هذا النوع من الخدمات ضرب من الخيال. هم يريدون تنظيم وقوننة ومأسسة التحولات الخطيرة الهاجمة بسرعة لا تمنح الوقت للتفكير بنتائجها.
الأمراض النفسية تزداد انتشاراً، والقلق أصبح سمة الأرواح العصرية، ومصادقة الآلة على حساب العلاقات الإنسانية حقيقة. فأي تأثير لتلك الآلات التي تتحادث مع أولادنا أو آبائنا، في لحظات كدر، وماذا توسوس لهم؟ كنا نحارب رفاق السوء وننتقي من يأخذ بيدنا بدل أن يغرقنا في الوحول، بات رفاق السوء معنا نحملهم في جيوبنا، يندسون في فراشنا، ويرافقوننا على مدار النهار.
مجرد إطلاق مفردة «ذكاء» على هذه البرامج يوقع المستخدمين تحت سحرها الذي لا يقاوم، ويغريهم بمنحها الثقة التي لا يساورها شك. وبالتالي ستصبح الآلات، في وقت قريب جداً، ملجأ لكثيرين، لأنها لا تفشي سراً، ولا تعاند، وقد تبدو ظاهرياً أرحم من البشر. وهناك من يقترح استبدال «الذكاء الصناعي» بـ«الأداء الصناعي» لأنها أصدق تعبير عما تقوم به هذه البرامج من عمل يصيب أحياناً ويخيب مرات أخرى، ويصل به الأمر أن يحرض على الانتحار، أو يعطي نصائح تؤدي إلى الهلاك.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

القاتل «إليزا» القاتل «إليزا»



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt