توقيت القاهرة المحلي 14:32:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ذكاء قاتل

  مصر اليوم -

ذكاء قاتل

بقلم - سوسن الأبطح

قررت مجلة «كلاركس وورك» الأميركية الشهرية للخيال العلمي، التوقف عن تسلم نصوص القراء، وإغلاق هذا الباب الذي تركته مشرعاً لسنوات أمام المواهب المجنّحة، لأن عدد القصص الخيالية المرسلة إليها تضاعف مع الوقت، وتبين أن ثلثه، ليس من صنع بشر، بل كتبه الذكاء الصناعي. المحرر المسؤول نيل كلارك، أُرهق من البحث المضني عن الأصيل من المزور، والتمييز بين من تعب وجدّ، ومن وجد ضالته ببضع ساعات، واكتفى بالضغط على الأزرار.
يضخ المستثمرون، في هذه الأيام الصعبة، مئات مليارات الدولارات، في سباق «الذكاء الاصطناعي التوليدي»، رغم كل ما يعانيه قطاع التكنولوجيا من كوارث مالية. وتحتل شركة «أوبن إيه آي» بطبيعة الحال صدارة المشهد، إذ إن النصوص والصور والفيديوهات والتسجيلات الصوتية التي يتم إنشاؤها بواسطة الروبوتات، أصبحت من الآن قادرة على الولوج إلى عدد لا يحصى من الصناعات. وتأكد للجميع أن الروبوت ليست مجرد مساعد مضجر محدود القدرات، بل كاتب قصص، ورسّام ومهندس ديكور ومحاور فلسفي جاد.
عشرات الكتب على «أمازون» بات موضوعها كيف تستعين بالذكاء الصناعي لإنجاز كتابك. والأهم أن أكثر من 200 مؤلف كتبتها آلة، أو ساعدت في تأليفها، أصبحت موجودة بالفعل على منصة «أمازون» ويمكن قراءتها على «كيندل». فهل على الكاتب الذي يسهر الليل لينجز صفحتين، أن يبقى هادئاً مطمئناً، والساحة تكتسح من المزورين؟
بنظرة سريعة على «تيك توك» أو «إنستغرام» والسهولة التي يقتبس بها المشاركون فيديوهاتهم ونصائحهم عن بعضهم البعض، يمكن تخيل نوعية وعدد الكتب التي يمكن أن تؤلّف من دون ذكاء. كتب من نوع «كيف تقي طفلك من إدمان الشاشات؟» و«كيف تستخدم الأعشاب لعلاج الأمراض؟» أو «أسرع الطرق لتصبح رائد أعمال»، يمكن إنجازها بالقص واللصق، وحتى قبل أعجوبة الـ«تشات جي. بي. تي». حجة البعض للتخفيف من خطورة تلوث أجواء النشر، وفوضاه العارمة التي قد تحول عالم الكتب قريباً إلى غابة من الثرثرة التي لا لزوم لها، هو «أن الكتاب الذي يحظى بالتعليقات الجيدة سيستمر، والرديء الذي يهجوه القراء سيختفي عن شاشات المتجر، تلقائياً، ومن دون جهد من أحد».
ولكن، هل يفصح حقاً، كل الكتّاب عن الطريقة التي أنجزوا فيها مؤلفاتهم؟ بهذا المعنى، كم عدد الكتب الفعلية التي أنتجت آلياً أو نصف آلي، وتباع للقراء، دون أن يعترف كتّابها بما فعلوه؟ الناطقة باسم أمازون ليندسيه هاملتون، لا تستغرب الأمر، مع تشديدها على ضرورة أن يكون الكتّاب شفافين في التعامل مع قرائهم ودور النشر.
تبقى كتابة الروايات أشد صعوبة، من مؤلفات التداوي بالأعشاب، أو النصائح النفسية. لهذا تركز الشركات التكنولوجية على هذا الجانب، وتحاول تنقية بياناتها من السموم العنصرية، والفواحش الجنسية، ومحتويات الكراهية، من أجل نصوص أكثر إنسانية.
ورغم تخلي «فيسبوك» وحده عن 21 ألف موظف في غضون أشهر، و«غوغل» عن اثني عشر ألف موظف، في مجال بات يعاني نزفاً في الوظائف، غير أن المفاجأة هي كشف مجلة «تايم» الأميركية، عن أن هؤلاء يستبدلون في مجال الذكاء الاصطناعي بعشرات آلاف المبرمجين الذين يعملون في الظل، من خلال شركة وسيطة تدعى «ساما»، في كل من كينيا وأوغندا والهند، بتكاليف لا تتعدى الدولارين في الساعة الواحدة. وهؤلاء يقومون بسبب أعدادهم الهائلة، وساعات عملهم الطويلة والمضنية، بما كان يحتاج عشرات السنين، لتطوير ما تم إنجازه. وهو ربما ما يفسر تخفيف أعباء الموظفين المسرحين، دون أن يرف لأصحاب هذه الشركات الكبرى، جفن، أو تشعر بتقلص إمكانياتها البحثية والخدماتية.
الفوضى التي يتسبب بها الذكاء الاصطناعي، تحتاج وقتاً طويلاً لحلها. الجميع يتذمر، ويتظلّم، المعلمون، والبحاثة، والكتّاب، والمهندسون... فكل منتج آلي هو ثمرة بيانات تراكمية لخبرات إنسانية طويلة، ومن دونها، الآلة صماء عقيمة لا تدرك ولا تبتكر.
ومع ذلك، كما الكتب، فإن الصور الرقمية لا تجد اعتراضاً كبيراً في دول حقوق الملكية الفكرية، وكأنما هذا الموضوع يركن جانباً. فالمتاحف تستقبل اللوحات الرقمية التي تعتمد على تجارب سابقة دون أن تشير إليها. ولولا الادعاءات القضائية التي يقدمها بعض الكتّاب والفنانين لما تذكرنا أن ثمة انتهاكات كبرى تحصل. كتاب «الكومكس» الذي وضعته كريس كاشتانوفا لمنظمة العفو الدولية، معتمدة على رسومات غيرها، عومل في البداية معاملة الكتب الإبداعية الأصيلة، رغم أن كاشتانوفا اعتمدت في إنجازه باعترافها، على تطبيق «ميدجورني» الشهير في توليف الأساليب والصور والرسوم التي تمت تغذيته بها.
الأمر سيمتد ليشمل الصوت، حيث ستسأل أيضاً منصات يقوم عملها كله على تسجيل الأصوات مثل «سبوتيفاي» و«أوديبل» التابعة لأمازون، اللتين دفعتا وحدهما ملايين الدولارات لتسجل الكتب والمسلسلات والبرامج بأصوات مشاهير، فيما أصبح كل نص، وبأي لغة كان يمكن أن تقرأه أوتوماتيكياً، أصوات آلية، بصفر تكلفة.
كل هذا، يثير فوضى هائلة، في مجالات مختلفة، في وقت واحد. وبين المشجعين، المتحمسين والخائفين المتوجسين، من شرّ الآتي، ستكون القرارات صعبة، والأصعب منها أن فرملة موجات تسونامي «الذكاء الاصطناعي» على الأكيد مستحيلة، رغم كل ما ستحدثه من جرف في الأبنية والعمائر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ذكاء قاتل ذكاء قاتل



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt