توقيت القاهرة المحلي 19:30:21 آخر تحديث
  مصر اليوم -

جنوح الفلسفة

  مصر اليوم -

جنوح الفلسفة

بقلم - سوسن الأبطح

تريداليونيسكو  من العالم أن يتفلسف، للناس أن يطلقوا العنان لأفكارهم، أن تكون في الخميس الثالث من كل نوفمبر (تشرين الثاني) أخيلة البشر حرة، لتتصور مستقبلها، وكيفية إعادة بناء أخوّتها المفقودة. هذه السنة، العنوان هو «الإنسان الآتي»، والحال ضياع وفوضى وخوف من حروب وفقر وجوع. ثمة اعتقاد بأن الفكر وحده قادر على اجتراح معجزة الخلاص. ووسط أجواء الاحتفالات بقيمة العقل، وثمار الاجتهاد، تأتي إنذارات، من عدة مدن فرنسية، تحذر من مهرجان للفلسفة سيقام، بالمناسبة، في 7 مدن تنظمه جمعية «نيو أكروبوليس» المرخصة في البلاد منذ 1973. ومع ذلك، تحوم الشكوك حولها، وصدرت بحقها عدة مذكرات، تضعها على اللائحة السوداء.
منظمة غير ربحية تأسست في الأرجنتين عام 1957، على اعتبارها مدرسة للفلسفة، وتطورت لاحقاً وانتشرت، وتحولت إلى منظمة تعرف بنفسها بأنها تعنى بالدراسات والممارسات الفلسفية.
ومشكلة الفلسفة في المتفلسفين، الذين يتطرفون يميناً أو يساراً، ويؤدي الشطط إلى جرائم، والمبالغة إلى كوارث، ثم تتساءل عن جدوى أن يترك الحبل على غاربه، حتى يصعب عليك فهم الفرق بين إعمال العقل لصالح الخير، أو إعماله للتلاعب بالآخرين، واستغلال ضعفهم.
ثمة مذكرة لوزارة الداخلية الفرنسية، صدرت العام الماضي، تلفت إلى أن بعض المجموعات التي تتغطى بستار التفلسف وحرية الفكر والمعتقد تنتهك الحريات وتستعبد الأفراد. هناك مجموعات تمنع المنخرطين فيها من ممارسة حقهم في التصويت، وتصل بهم إلى انحرافات أو اعتداءات جنسية، ويتعرضون للضغط والنبذ حين يفكرون في التراجع أو يترددون في ممارسة السلوكيات المفروضة عليهم.
وبالعودة إلى «نيو أكروبوليس» التي لها عشرات المراكز في أنحاء فرنسا، ويوحي موقعها الرسمي، وبرنامجها لليالي الفلسفية، بأنها تعشق العقل وتناضل من أجل الانعتاق، فهي متهمة بأنها تروج لآيديولوجيا يمينية متطرفة، وأن لها ميليشيا سرية، وجهازها الاستخباراتي الخاص.
تقارير قديمة تشير إلى أن الجمعية تروج لعنصرية قريبة من النازية الجديدة، وتمارس استبدادية على أعضائها. كل هذا تحت ستار الفلسفة وإطلاق العنان للأفكار. هذه الفرقة ليست حالة معزولة، فنحن نسمع كل يوم عن فكر جديد. وما أن تفتح صفحات «تيك توك» أو «إنستغرام» حتى يطلع عليك حكماء العصر الحديث، الذين تجهل مؤهلاتهم، وخلفياتهم، أو مدى نجاحهم في حياتهم أو فشلهم، وكمّ العقد التي تحركهم، ليمطروك بنصائحهم. منهم تعرف كيف تصبح سعيداً. وأفضل وسيلة لجمع المال. وسبيلك للتخلص من الأرق. حتى كيف تنتقم من عدوك، أو من الذين تحتسبهم أصدقاءك.
لم تخلُ الفلسفة يوماً من خطر الانزلاق. الاشتراكية نظرية في غاية النبل والسمو حين تقرأها، ومع ذلك لم تجلب السعادة لأغلب المجتمعات التي طبقت فيها. تغلبت غرائز السرقة والانتهازيين على مصلحة عامة الشعب الذين تركوا في فقر وحاجة وشظف عيش. وجاءت النظرية الرأسمالية وقحة، جشعة، شجّعت على المنافسة والمزاحمة، وأعلت من قيمة الشطّار على حساب المساكين. وتباهى على الخلق الأغنى بينهم والأذكى والأقدر على مراكمة الثروات، والتمتع برغد الحياة. وبات من الطبيعي أن يملك 26 شخصاً في العالم ثروة تعادل ما يملكه نصف سكان الأرض. بل إن كلاً منهم، هو اليوم أنموذج للنجاح والتفوق، يباهى به ويحتذى. وصارت الرأسمالية، وقد اقترنت بالديمقراطية الأوفر شعبية بين الأمم.
لم تكن الفلسفة بريئة في أحيان كثيرة، وضحاياها بالآلاف. أنجبت نظرية تفوق العرق الأبيض، أسوأ أشكال الظلم والاستعباد، منذ القرن التاسع عشر. أقنع الغربيون أنفسهم بأنهم أعلى كعباً من بقية البشر، وأن بمقدورهم أن يستعمروا ويستعبدوا، ويمتصوا دماء أمم كثيرة، بحجة أنهم يسعون لتطويرهم وترقيتهم. ولا تزال نظرية استعمار الشعوب بحجة نشر الديمقراطية سارية المفعول، ومرحباً بها من بعض الضحايا. وهي واحدة من سلالات فلسفة تفوق الرجل الأبيض، التي تتناسل و«تندغم» في نظريات تتعدد أسماؤها، ويبقى مضمونها واحداً.
نظرية التفوق يطبقها الرجل الأبيض، لأنه يمتلك أدواتها التي حرم منها آخرون. لكن كل دين يرى في أتباعه تمايزهم على غيرهم، والسود لهم نظريتهم الفوقية أيضاً، وإن كانت أقل شهرة، وأتت كردة فعل على البيض. وبقي الأميركيون يستعبدون السود بوحشية، ويمارسون عليهم سطوتهم بشكل غير أخلاقي حتى بعد أن أصدر الرئيس أبراهام لنكولن إعلان تحرير العبيد عام 1863.
وفي الشرق كما في الغرب، عرفت اليابان قبل نهاية الحرب العالمية الثانية فكرة تفوق عرق الياماتو، وهم السكان الأصليون للبلاد، وأدعوا أحقيتهم في حكم كامل آسيا وبلدان المحيط الهادي.
من حق العباد، بل من واجبهم أن يتفكروا هذا الخميس، وكل يوم، للاهتداء إلى ما يجلب لهم السعادة والأمن، ويحد من الخراب الذي جلبوه لأنفسهم، لكن هذا يستدعي من المتفكر كثيراً من العلم والسماحة وحب الإنسانية، ونبذ الأنانيات التي حضت عليها بعض الفلسفات بشطحاتها وسقطاتها.
فأي الفلسفات نريد، هل فلسفة «داعش»، والشعبويات اليمينية المتطرفة التي بدأت تكتسح الساحة، أم فلسفة إدغار موران وعودة إلى ابن رشد الذي تمسك بالفكر الحر وتحكيم العقل، ورفض البناء إلا على المشاهدة والتجربة.
أهم وظيفتين للفلسفة هما مساعدة الإنسان للإجابة عن الأسئلة الوجودية، وتحريض فكره النقدي. أما الفلسفة الحديثة، بعد أن أسبغت عليها الصبغة الشعبية، وأنزلت إلى عامة الناس، صارت كلها إجابات قاطعة، وكان يرتجى منها ويؤمل أسئلة محرضة على التفكير والتمحيص والتدبّر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

جنوح الفلسفة جنوح الفلسفة



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt