توقيت القاهرة المحلي 11:42:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

العربية مشكلة سياسية

  مصر اليوم -

العربية مشكلة سياسية

بقلم:سوسن الأبطح

يقرأ المواطن البنغلاديشي المقيم في أستراليا، إسماعيل أرمان، القرآن، بلغته الأم وبالعربية أيضاً، لكنه بمرور الوقت شعر بأن عدم فهمه للعربية يؤثر على إيمانه، وبعد أن ذهب لأداء فريضة الحج أدرك أن ثمة ما ينقص. يروي على قناته في «يوتيوب» التي لها آلاف المتابعين، أنه قرر تعلم الفصحى ليفهم المعاني ويستعيد روحانيته المفقودة، ولمّا لم يجد من يتحدث معه، لجأ إلى «تشات جي بي تي» يبادله الحوار دقائق قليلة كل يوم، وبعد ثلاثة أشهر فقط بات قادراً على الفهم والمحادثة، وهو مستمر في تقوية مهاراته.

لا يدرّس أرمان متابعيه العربية، لكنه يرشدهم إلى الطريقة التي تعلّم بها بواسطة الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح فرصة لكل مسلم.

قريباً، لن يكون أحد بحاجة إلى لغة أجنبية للتواصل التجاري أو المعرفي، لأن الترجمة الآلية الفورية تقوم بالمهمة، لكن أرمان وأكثر من مليار ونصف مسلم في العالم سيوجد بينهم الملايين ممن يحلمون بفهم كتابهم الديني بلغته العربية، ويثابرون على تعلمها.

ميزة استثنائية ليست للغات الأخرى، ولا تخضع لتحولات ظرفية. اليابانيون مثلاً، لا يتحدثون أي لغة أجنبية، من المطار يستقبلونك بلغة الإشارة، وفي الفندق الترجمة الآلية تفي بالغرض، حتى في استعلامات «إكسبو أوساكا» هذا العام، الحدث العالمي الأضخم الذي تجند له الدول مترجميها، لم يجهد اليابانيون أنفسهم في النطق بغير لغتهم طالما أن ثمة آلة تقوم بالمهمة. وإذا كنت تظنها استثناءً، فالصينيون سيحكمون العالم، وها هم يتفوقون حتى على أميركا، ولا يجد مواطنهم فخراً في أن يرطن الإنجليزية، بل أن يتقن لغته الوطنية ويتفنن بها. وهم ربما محقون، فالعصر الجديد، يفتح الآفاق بين اللغات والثقافات. فأنت تسأل تطبيقك الذكي باللغة التي تريد، فيأتيك بالإجابة من لغات عدة، ويقدمها لك بلغة السؤال، بلمحة طرف. هكذا يصبح تعلمك للأجنبية، فضولاً يساعد على تمرين العقل، وفهم الذهنيات، وتسهيل التواصل. أما العلم فمسالكه مشرعة بلا حواجز لغوية.

وفي اليوم العالمي للغة العربية، نتذكر كل سنة خسائرنا، واللكمات الأليمة التي نسددها للغتنا. فالأمية في ارتفاع بسبب مآسي الحروب الممتدة وأطفالها المشردين. والشعور العميق بالخور والانكسار، يجعل شبابنا يميلون إلى التبرؤ من لغتهم، ويفضلون الألسن المعوجّة، والجمل الهجينة الغامضة، على لغة صافية عريقة، مما يزيد الفجوة بين العامية والفصحى، بدل أن تتقاربا. النتيجة عزوف عن الكتابة بالعربية، مع أن العصر الرقمي تشيد مداميكه على بيانات الأمم، التي تحولت عندنا إلى نتف وتشوهات. ومع ذلك ينمو المحتوى العربي بسرعة قياسية، لا بفضل عبقريتنا، بل بأفضال أجدادنا الذين أصبحت كتاباتهم زاداً لتدريب النماذج اللغوية، بعد أن سهّل التصوير الرقمي، إدخال النصوص وبرمجتها.

أهدرنا وقتاً طويلاً، لندرك أن لغتنا الاشتقاقية نعمة ليست لغيرنا، وبعد أن تعثرت بحجة أن بها من الكلمات المتشابهات ما يصعّب فهمها، ها قد أصبح التعامل مع الجذر ومشتقاته من المسهلات. إذ يكفي فهم الجذر، للاستدلال على باقي متفرعاته بدقة تفوق اللغات التي تعتمد على التركيب اللفظي العشوائي.

عندما ترى المنصات الذكية تسارع إلى تطويع العربية وتطوير استخدامها، تدرك أهميتها التي نجهلها. هذه ليست جمعيات خيرية، ولا منظمات تدافع عن المساواة وحقوق الإنسان في استخدام التكنولوجيا، بل شركات تجارية، تستميت في سبيل الربح، ولو أعدمت نصف سكان الكوكب. وكل ما يعنيها هو النجاح وكسب الجيوب والقلوب.

العربية الخامسة عالمياً من حيث عدد المتحدثين، وثمة إحصاءات تظهر أن الناطقين بها لغةً أولى قد يكون عددهم وصل إلى نصف مليار، فضلاً عن الذين يفهمونها ويقرأونها وليست لغتهم الأولى. فهي تنتعش في منطقة واحدة مترابطة جغرافياً، وفي 22 دولة، عملياً، ليس فيها تعدد لغوي بالمعنى الحقيقي، وإن أحب البعض ادعاء غير ذلك. في الإحصاءات العالمية، كل عربي يفترض أنه يتحدث العربية في بيته. وبلداننا ليست كأميركا التي تتواصل فيها العائلات في منازلها بنحو 400 لغة، وفي الصين 130، وروسيا مائة على الأقل.

نحن عرب، ومع ذلك العربية مضطهدة، وتخضع لتعنيف وصدمات، غالبيتها متأتية من أبنائها. المشكلة لا تكنولوجية، ولا نحوية. وكل كلام عن صعوبة العربية هرطقة. لأن اللغة تسهل بقدر ما تستخدمها وتحبها. والصينية التي هي للبعض لغز، ستصبح بعد قليل، مشتهى الراغبين في التقرب من أصدقائهم وشركائهم الصينيين. عندها لن يسخر أحد من أنها تكتب بالطول أو بالعرض، وسيرسمونها على الجدران، ويعلقونها كالتعاويذ في اللوحات.

العربية حلّها يأتي بقرار سياسي وتربوي، تماماً كما في الصين واليابان. فالطالب لا يترك المدرسة إلا وقد قرأ كبار الأدباء، وتعرف إلى أمهات كتب التراث، وعرف تاريخه، واعتدّ بأصوله، وشعر بالفخر بانتمائه. أما تخريج أجيال تستصغر نفسها، وتحتقر تاريخها، وتتبرأ من لغتها، فتلك كارثة لن يصلحها أي نظام ذكي مهما بلغت عبقريته.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العربية مشكلة سياسية العربية مشكلة سياسية



GMT 07:25 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

السيدة الأمينة

GMT 07:23 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

إمَّا دينغ وإمَّا غورباتشوف

GMT 07:21 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

الصومال وإسرائيل والبحر العتيق

GMT 07:19 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

فنزويلا الغنيَّة... فرز الدّعاية من الحقيقة

GMT 07:17 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

الشرق الأوسط... أمن بلا سياسة

GMT 07:14 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

متحف حُبّ يحمل اسم فاروق حسني

GMT 07:02 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

جديد ترمب في موقعة فنزويلا

GMT 06:59 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

«الفيلسوفة الطفلة».. بقلم الدكتور «مراد وهبة»

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:53 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

بيومي فؤاد يعتذر لمحمد سلام ويتمنى عودته القوية للفن
  مصر اليوم - بيومي فؤاد يعتذر لمحمد سلام ويتمنى عودته القوية للفن

GMT 18:29 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

ساناي تاكايتشي تدرس الدعوة إلى انتخابات مبكرة
  مصر اليوم - ساناي تاكايتشي تدرس الدعوة إلى انتخابات مبكرة

GMT 13:29 2017 الخميس ,06 إبريل / نيسان

فوائد زيت الزيتون للعناية بالبشرة

GMT 06:16 2025 الجمعة ,21 شباط / فبراير

بسمة وهبة تعود في رمضان 2025 بمفاجآت لا تُصدق

GMT 15:26 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

وكالة "الأونروا" تحذر من خطورة وضعها المالي

GMT 18:12 2021 الإثنين ,04 كانون الثاني / يناير

مدافع الأهلي رامي ربيعة يعلن تعافيه من فيروس كورونا

GMT 22:16 2020 الإثنين ,21 كانون الأول / ديسمبر

4 إصابات جديدة بـ كورونا تضرب النادي الأهلي

GMT 08:11 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير الأهلي تدعم رامي ربيعة قبل نهائي دوري أبطال إفريقيا

GMT 03:24 2020 الجمعة ,25 أيلول / سبتمبر

22 سفينة إجمالى الحركة بموانئ بورسعيد

GMT 20:09 2018 الخميس ,11 تشرين الأول / أكتوبر

عماد متعب يعترف بفضل زوجته يارا نعوم على الهواء

GMT 02:54 2017 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

أميرة هاني تُعبّر عن فرحتها بالعمل مع النجمة عبلة كامل

GMT 06:40 2023 الإثنين ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

حسين لبيب يستقبل النقيب العام لنقابة المهن الرياضية

GMT 11:09 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

تويوتا تعلن تفاصيل وطرازات البيك أب تندرا 2022
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt