توقيت القاهرة المحلي 21:51:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حرب المعادن السّامة

  مصر اليوم -

حرب المعادن السّامة

بقلم:سوسن الأبطح

في الخطط الاستراتيجية الأميركية، فتّش دائماً عن الصين!

حرب أوكرانيا التي زلزلت العالم، وبثت الاضطراب في الاقتصادات وسلاسل التوريد، وأوقعت ما يقارب من مليون ونصف المليون ضحية بين قتيل وجريح من الطرفين، ستنتهي بصفقة تجارية وصفها ترمب بأنها «كبيرة جداً» لصالح أميركا طبعاً، تبلغ مليار دولار. أهم ما في الصفقة إعطاء أميركا حق الاستثمار في المعادن الأوكرانية النادرة، والحصول على نصفها، من دون أن تحصل على ضمانات أمنية، تحمي البلاد من شهوة روسية قريبة مقبلة. كل هذا بحجة استرداد ما دفعته الولايات المتحدة من تمويل حربي خلال السنوات الفائتة. بات جلّ ما يتمناه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أن تردع هذه الاستثمارات الأميركية في بلاده، روسيا عن مهاجمته وقضم المزيد من الأراضي.

وهو ما يصفه الأوروبيون بالاستسلام المخزي، ويعملون على تخفيف وطأة الهزيمة، بإحلال بعض القوات الأوروبية بدل الأميركية بما تيسر من عتاد.

كل الكلام الكبير الذي سمعناه، عن ضرورة هزيمة الديكتاتورية متمثلة في شخص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورفع شأن الديمقراطية والحرية مع بداية الحرب، تبخر، وراح هباء الريح، أمام الثروات التي يسيل لها اللعاب.

ولا بأس، والحال هذه أن يحتفظ بوتين بربع الأراضي الأوكرانية التي استولى عليها، طالما أنه، سيقبل أيضاً بأن يجعل أميركا شريكاً ومستثمراً في معادنها النادرة هو الآخر.

يصادف أن غالبية المعادن الأوكرانية موجودة في جنوب وشرق البلاد، وجزءاً وازناً منها في مقاطعات لوغانسك ودونيتسك وزابوريجيا التي أصبحت تحت سلطة روسيا.

هكذا تأخذ روسيا الأرض، وأميركا ما تحتها، والباقي تفاصيل. فبعد أن تم الترويج لأوكرانيا سلة غذاء العالم، وأننا من دونها سنموت جوعاً، ها نحن نكتشف أنها تنام على كنز من المعادن النادرة.

وقد يكون الأمر مبالغاً فيه، ومتأتياً من شعور أميركي بالهلع من فقدان معادن ثمينة هي «وقود الثورة التكنولوجية» بعد أن فرضت الصين التي تنتج 80 في المائة منها وتعالج 90 في المائة قيوداً على تصديرها.

يأمل ترمب في أن يسدّ شيئاً من هذا العجز المخيف بالسطو على باطن أوكرانيا، لكن الواقع أكثر مرارة. إذ يحتاج البحث والتنقيب وتأسيس البنى التحتية إلى عشر سنوات، لسد شيء من العجز الذي تتسبب به الصين، وهي تستخدم كنوزها أداة استراتيجية.

في السنوات الأخيرة، فرضت الصين قيوداً على تصدير معادن مثل الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون، رداً على منع أميركا تصدير أشباه الموصلات إليها. ثم أضافت الصين معادن مثل التنغستن إلى قائمة القيود، مما يؤثر مباشرة على صناعات التكنولوجيا والأسلحة الأميركية.

الحرب على المعادن بدأت منذ أعوام، المستجد هو أن وطيسها، قد تصاعد. أدركت الصين باكراً اللعبة، فحاولت احتكار معادن مهمة مثل الديسبروسيوم والتيربيوم، وكذلك المعادن النادرة الخفيفة مثل النيوديميوم والبراسوديميوم. وفي تسعينات القرن الماضي لفت منظّر الصين الاقتصادي والسياسي، دينغ شياو بينغ، إلى الأهمية الحاسمة للمعادن النادرة. ومنذ حينها والصين تعمل على تطوير وتنظيم هذه الصناعات، وحصرها في شركات محددة تديرها الدولة، لتتحكم في التعامل معها، بعدّها ثروة وطنية.

الموجع أن غالبية الصناعات الدقيقة التي تباهي بها أميركا تعتمد اليوم على صادرات المعادن الصينية. فهي أساسية للمعدات العسكرية كالصواريخ والطائرات، وبطاريات السيارات الكهربائية، حيث لا وجود لـ«تسلا» الفاخرة من دون معادن الصين. وهي جزء أساسي من تصنيع الجوالات، والكومبيوترات، والألواح الشمسية، والرقائق الإلكترونية، كذلك الشاشات، وأبراج الاتصالات، والأقمار الاصطناعية، وأنظمة الملاحة، وأجهزة تصوير الرنين المغناطيسي، واللائحة طويلة.

معادن أوكرانيا جزء مهم من الخطط الأميركية لوقف ارتهانها للصين، في مواد شديدة الحساسية لأمنها القومي، وصناعاتها الدقيقة، لكن هذا لن يحل وحده المشكلة. عملت أميركا على تطوير مناجم محلية مثل «ماونتن باس» في كاليفورنيا، واستثمرت في تدوير النفايات الإلكترونية، لكنها مسألة مكلفة بلا كبير جدوى، وعقدت شراكات مع دول أفريقية مثل جنوب أفريقيا وكندا وأستراليا، لكن توتير العلاقات، قد يغلق هذه السبل أيضاً.

ظن الغرب أنه من الرفاهية أن يترك للصين المهام الحقيرة، مثل التصنيع الذي يحتاج إلى أيدٍ عاملة رخيصة، وإنتاج ومعالجة المعادن النادرة والسامة في الوقت نفسه. صحيح أن وظيفتها إيصالنا إلى طاقة نظيفة، لكنها بحد ذاتها شديدة الخطورة، حيث تُستخرج. فقد تلوث المياه، وتسمم التربة، وتصدر الانبعاثات التي تصيب العمال بالاختناقات والسرطانات.

ففي جنوب الصين، تحولت التلال المغطاة بالغابات وحقول الأرز إلى مساحات من الطين السام. وتسبب استخراج هذه المعادن، في كوارث كبيرة، من انهيارات أرضية، إلى انسداد أنهار، وإصابة بأمراض مميتة.

المعادن النادرة سلاح ذو حدين، اختارت أميركا أن تتمتع بمنافعها، وتترك سمومها للآخرين. فهل بدأ زمن التضحيات الجسام، مع احتدام المنافسات القاتلة؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حرب المعادن السّامة حرب المعادن السّامة



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt