توقيت القاهرة المحلي 19:49:05 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الجميع إلى جهنم

  مصر اليوم -

الجميع إلى جهنم

بقلم - سوسن الأبطح

إسرائيل وحلفاؤها، يصرّون على إدخال العالم في الجحيم. ثمة رغبة، في تحويل قضية فلسطين من مسألة تحرر وطني لشعب لا يطلب سوى الكرامة والاستقلال، إلى حرب دينية لا تبقي ولا تذر، طرفاها المسيحيون واليهود من جهة والمسلمون من جهة أخرى، وهذا طرح غاية في الخطورة.

ضع جانباً الرئيس الأميركي جو بايدن الذي لا يتوانى عن اعتبار إسرائيل أرضاً يهودية ويدافع عن ميوله الصهيونية، لكن وزير خارجيته أنتوني بلينكن حوّل زيارته التضامنية لإسرائيل مناسبة شخصية ووجدانية كونه ابناً لعائلة تعرضت للمحرقة اليهودية.

واتساقاً مع هدف إعادة الجميع إلى ما يشبه 11 سبتمبر (أيلول)، وإحياءً لـ«نظرية هنتنغتون» المشؤومة «صراع الحضارات» التي وجد فيها كثير من المتطرفين غاية لا تردّ، فإن خطاباً إعلامياً متسقاً يتبناه المروجون لهذا التوجه في الغرب، وينشطون على مختلف الوسائل الإعلامية للتبشير به.

في فرنسا، تستغرب كيف لأكاديمي متخصص في الشؤون الإسلامية مثل جيل كيبل، قضى ردحاً من حياته في صحبة العرب ومتنقلاً في منطقتنا، يجعل من نفسه رأس حربة للتحذير من تنامي الهجمات المعادية للسامية من قبل المسلمين، ومن تصاعد الأجواء الجهادية. أكثر من ذلك، أن كيبل يربط، عن غير وجه حق، بين ما يحدث في فلسطين اليوم، ومختلف الأعمال الإرهابية التي ارتكبها متطرفون إسلاميون ذات يوم، في فرنسا بحق مدنيين أبرياء، قائلاً إن الجو مؤآتٍ لتنامي الإرهاب على الطريقة «الحماسية». وفي رأيه أن الإسرائيليين ذبحوا كالأرانب على يد الفلسطينيين، فيما من الصعب (عليه) تأكيد عدد الضحايا من الجانب الفلسطيني. طبعاً كيبل، باحث له علاقاته في المنطقة، وفي غزة التي يعرفها جيداً، وباتصال صغير بمقدوره التأكد من المعلومة التي يريد. لكنه قرر أن يكون، وهذا ليس بجديد، في صفّ المحرضين على الفتنة.

يشترك في حملة تأجيج «صراع الحضارات» المرشح الرئاسي الفرنسي السابق إريك زيمور، الذي لا يتعب من ترديد لازمته المحببة «إنها حرب أديان». بالنسبة له؛ «المسألة سهلة، هذا صراع بين يهود من جهة ومسلمين من ناحية ثانية. منذ عشرين سنة وأنا أقول إنها حرب أديان ولم يصدقني أحد». يتباكى زيمور لأن ملياري مسلم و57 دولة مسلمة، يسنون سكاكينهم لذبح إسرائيل «الدولة الصغيرة التي لا ترى على الخريطة، كل هؤلاء ضدها».

لكنك بقليل من المتابعة تلحظ أن المجموعة التي أخذت على عاتقها إعادة الترويج لهذه الحرب ووضعها في الواجهة تتبنى الخطاب عينه، بما يشبه النسخ واللصق. يذكّر بعض من نُصبّوا فلاسفة في فرنسا بالمعلومات ذاتها التي يكررها زيمور. يردد (الفيلسوف) إيريك وانفري مثلاً، بلا كلل، حكاية الملياري مسلم و57 دولة مسلمة المتآمرين ضد اليهود، كأنما كل دول المسلمين تقف صفاً واحداً وتشهر سيوفها مطلقة صرخة: «حيّ على الجهاد». كل تلك المبالغات غاية في الاستفزاز. والمصيبة الكبرى أنه هراء يسوق له في مختلف البلدان الأوروبية ولا تجد من يتصدى أو يضع حدوداً لكذب أصحابه وافتراءاتهم. فلا يزال هؤلاء يتحدثون عن هجوم «حماس» الإرهابي حين قطعوا رؤوس الأطفال، وبقروا بطون النساء، وحرقوا الجثث واغتصبوا النساء، رغم أن كذب هذه الأخبار أصبح معروفاً للجميع. هذا ليس دفاعاً عن «حماس»، وإنما ذوداً عن الحقيقة التي حين تقتل، فإنما تكون الإنسانية قد اغتالت، آخر ما تبقى لها لتلجأ إليه.

الأمر لن يتوقف عند غزة ولا الضفة، بالنسبة لزيمور وأصحابه «فقد كتبت علينا حرب الأديان هذه وعلى أولادنا من بعدنا، لمائة سنة مقبلة»، وإسرائيل بحسب تلك الثلة، هي الواجهة التي ستخوض هذا الصراع نيابة عن «الحضارة المسيحية - اليهودية» التي تتقاسم القيم المتحضرة، مقابل البرابرة، علماً بأن هنتنغتون، لم يعدّ اليهود حضارة كبيرة وجزءاً من هذا الصراع الذي يخترعونه، ليبرروا عدوانيتهم على الأبرياء.

يريد المبشرون بحرب المائة عام، إقناع العالم بأن كل فلسطيني، هو مجرد عضو في «حماس»، و«حماس» بدورها ليست أكثر من «داعش»، وفي أحسن الأحوال فرع من «القاعدة». على هذا النهج يسير الخطاب الإعلامي الغربي السائد، بحيث تستخدم لفظة إرهاب، في كل مرة تذكر فيها غزة، ويتم التركيز على ما يسمى «هجوم حماس» يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) كأن لا شيء حصل قبله، ولا مجازر إسرائيلية ارتكبت بعده. فهو حدث استثنائي لم يحصل لليهود مثيل له منذ المحرقة، وبالتالي على الجميع أن يقدّر شعورهم، ويثأر لهم.

الجيل العربي الشاب عصري في تطلعاته، لا يبحث عن استعادة الخلافة، بقدر مما يريد حياة كريمة، ولا يحب تأجيج الحروب، وإنما يسعى للعدالة. أطفال فلسطين، يقولون كل يوم، إنهم يريدون أن يكونوا كأطفال العالم أجمعين، يعيشون في سلام، دون أن يسلبوا بيوتهم وأمهاتهم وآباءهم.

التبشير بالحروب الدينية، هو «الشر المطلق»، وأن يفتي عشرات الحاخامات لنتنياهو، بجواز قصف المدنيين في مستشفى الشفاء، في حالة اختباء عناصر من حركة «حماس» داخله، هو الإجرام بعينه، علماً بأن رئيس الوزراء هذا ليس بحاجة لفتوى حاخاماته ليجهز على الأبرياء، فهو لم يترك مستشفى في غزة إلا وقصف محيطه، أو جزءاً منه وأوقع ضحايا بالمئات.

صدام الثقافات، هو في رؤوس المتطرفين، يكذب نبوءاتهم الخبيثة، مئات آلاف المتظاهرين من مختلف الجنسيات والألوان والأديان، يخرجون كل يوم، نصرة لأطفال غزة وأبريائها الذين يبادون، فقط لأنهم بشر. وللبشري حق على أخيه بالرحمة، والمساندة والعدالة.

أما هذا السعي لتأجيج الحروب الدينية، فيجب أن يكافح، ويصدّ، لا أن يناقش ويهادن، ويعامل بخفة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الجميع إلى جهنم الجميع إلى جهنم



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الضحايا المعتادون

GMT 10:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ماذا تبقَّى من إمبراطورية طهران؟

GMT 10:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أميركا والمونديال والحذر والقدَر

GMT 07:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"

GMT 06:12 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

آمال بدر تكشف عن أبرز الأفكار لتزيين المنزل بـ"الباسكت"

GMT 11:07 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أحذية عملية ومريحة لاطلالات الجامعة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt