توقيت القاهرة المحلي 17:24:47 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأسرة والمخاطر والجندي الباسل

  مصر اليوم -

الأسرة والمخاطر والجندي الباسل

بقلم : د. آمال موسى

من الجيد الاهتمام المتواصل بكل صغيرة وكبيرة في الاقتصاد العالمي والاقتصادات الوطنية والنبش عن حال كل الموارد ذات الملاذ الآمن والتساؤل عن المؤشرات وحركة الصرف وأسعار الطاقة وكل ما يمت للاقتصاد بصلة. ذلك أن هذا الاهتمام سلوك جاد جداً ويعكس أولية المقاربة الواقعية والوعي بأن الاقتصاد هو قوام الحياة وما يسميه العلامة ابن خلدون المعاش.

ولكن ما نلاحظه هو أن هذا الاهتمام مغلق ومنطوٍ داخل الدائرة الاقتصادية الواسعة وينسى - أي هذا الاهتمام - أن كل ما هو اقتصادي إنما هو جزء أساسي وفاعل ومؤثر في الظواهر الاجتماعية. بل إن الاقتصاد هذا العملاق المتحكم في معاشنا وحياتنا وطموحاتنا وحتى أحلامنا ننسى أنه يُلقي كل ما فيه من عجز على كاهل أهم مؤسسة اجتماعية؛ وهي مؤسسة الأسرة، أكثر مؤسسات التنشئة الاجتماعية عراقة وأكبرها دوراً بعدّها المعلم والوعاء الثقافي الأول، وهي الحافظة للأجيال ومن دونها لا وجود لمجتمع ولا وجود لشعب، ومن ثم لا وجود حتى للدول وذلك من منطلق أن الشعب أو المجتمع هو مقوم رئيسي من مقومات وجود الدولة أصلاً.

إذن كل شيء يصب في الأسرة ونحن لا ننتبه دوماً إلى ذلك. نخص بالسؤال الأسرة العربية، حيث إن هذه المؤسسة تحظى بمنزلة ومخيال خاصين جداً في النسق الثقافي العربي، الأمر الذي يجعلنا نقلق أكثر على تداعيات العواصف التي كلّما عصفت بالاقتصاد فإنها لا محالة ستفعل بما يوازي ذلك وأكثر في المجتمع، أي على الأسرة الخلية الحيّة فيه. وللعلم فإن التقديرات تشير إلى أنه بحلول هذا الشهر الحالي فإن عدد الأسر في الفضاء العربي بات يتراوح ما بين 90 إلى 100 مليون أسرة.

هناك حقيقة لا بد من الاعتراف بها ومواجهاتها؛ وهي أن كل المشكلات الاقتصادية ذات تكلفة اجتماعية باهظة على الجميع ثم تُترجم هذه التكلفة إلى متطلبات اقتصادية من أجل المعالجة والتدارك. ولعل الشرارة الأولى التي يمكن التقاطها وملاحظتها من طرف العارفين بالاقتصاد وحتى الجاهلين به تتمثل في المقدرة الشرائية للأسر. فهي المحدد للفهم والتفسير. وتشير الدراسات الأممية اليوم إلى تراجع المقدرة الشرائية بشكل وُصف بالحاد إلى درجة أن هناك بلداناً عربية اليوم تراجعت فيها هذه المقدرة إلى الربع بسبب ظواهر التضخم المالي وارتفاع الأسعار وتراجع الاستثمار ومن ثم النمو الاقتصادي.

المشكلة أن الأمر لا يتوقف عند تراجع المقدرة الشرائية، بل إن المشكلة الكبرى تكمن في أن المقدرة على التكيف مع التغييرات الاقتصادية باتت ضعيفة، الأمر الذي يجعل الأسرة بمثابة الجندي الأعزل الذي يحاول عدم الاستسلام وأن يتميز بالبسالة لأن الأسرة ذات المقدرة الاقتصادية غير المستقرة والمتراجعة والضعيفة مهددة بالفقر والطلاق وانحراف الأطفال والانقطاع عن الدراسة، وكل هذه التهديدات باهظة جداً على كل المستويات.

فليس مصادفة أن تتوازى الأزمات الاقتصادية والهزات التي تسببت فيها جائحة الكورونا، وصولاً إلى التوترات والصراعات في العالم وتداعياتها مع ارتفاع قياسي في حالات الطلاق في بلداننا، حيث بلغت حالياً 2.5 حالة لكل ألف شخص أي بمعدل 250 حالة طلاق يومياً في كل دولة من دولنا. وهذه الإحصاءات طبعاً لا تشمل إلا الطلاق الموثق قانونياً بأحكام قضائية ولا تعير اهتماماً لظاهرة الطلاق الرمادي أو الصامت التي لو وضعناها في الاعتبار لقفزت الأرقام قفزة صادمة. والعامل الاقتصادي هو المتهم، رقم واحد، في الارتفاع القياسي للطلاق بجميع أشكاله.

لن نخرج عن دائرة التفسير الاقتصادي للظواهر الاجتماعية التي أصبحت تنهش اليوم في بنية الأسرة، حيث إن التفكك الأسري هو نتاج ما تعرضنا له بخصوص تراجع المقدرة الشرائية التي بدورها تزيد من نسب الفقر والبطالة، وهذان شبحان خطيران على الأسرة من منطلق أنهما يقوضان البعد الاقتصادي لمؤسسة الأسرة. ذلك أن الأسرة المهزوزة الاقتصاد مهددة بالتفكك أولاً وبانعدام جودة التعايش وخمول علاقاتها الاجتماعية ثانياً.

ليست مقاربة سوداوية ما وصلنا إليه، فاليوم ثلث سكان المنطقة العربية تحت خط الفقر والمعدل العام للبطالة 11.4 في المائة، وهي أرقام تفسر اليوم لا فقط ظواهر الطلاق والتفكك والعنف الأسري والزواجي، بل أيضاً تعد مبرراً قوياً حتى نفهم ظاهرة العزوف عن الزواج وتراجع عدد عقود الزواج المبرمجة في السنوات الأخيرة في أكثر من بلد عربي.

بيت القصيد ما يلي: إن أي جائحة أو صراع أو حرب أو أزمة مالية أو تأزم اقتصادي كلها تضرب الأسرة بعمق وضرباتها صعبة المعالجة والتكلفة لا تدفعها الأسرة فقط، بل الجميع وطنياً ودوليّاً.

لذلك؛ فإن رأس المال البشري المحفوف اليوم وأكثر من أي وقت مضى بالمخاطر العالية التداعيات، نحسنُ مقاربته والذود عنه عندما نراه بعين الأسرة، التي من دونها لا شيء ينظّم البشر والجغرافيا والمستقبل وكوكب الأرض.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأسرة والمخاطر والجندي الباسل الأسرة والمخاطر والجندي الباسل



GMT 09:12 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

شقراء القرن

GMT 09:11 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الدور الإيراني في تدمير الحلم الفلسطيني

GMT 09:08 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الزعيم كيم و«شيخ الجبل سنان»

GMT 09:05 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الاستنزاف الذي لا ينتهي!

GMT 09:03 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

الوعي المتقطع بإشارات الأرض

GMT 09:01 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

حرب غريبة وتغطيتها غريبة

GMT 08:59 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

جنوب لبنان بين هدنة هشّة ونداء صلب

GMT 06:55 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

نجيب محفوظ يقول: «لا أفكر في الخلود»!

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 02:19 2026 الجمعة ,05 حزيران / يونيو

عمر مرموش يقترب من حلم الليغا عبر بوابة برشلونة
  مصر اليوم - عمر مرموش يقترب من حلم الليغا عبر بوابة برشلونة

GMT 12:35 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الجدي الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 07:29 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

أفضل عطور موسم خريف وشتاء 2025-2026

GMT 11:46 2017 الجمعة ,16 حزيران / يونيو

فوائد زيت الزيتون للعناية بالبشرة

GMT 14:30 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 07:19 2025 الإثنين ,10 شباط / فبراير

انتظام أشرف بنشرقي وداري في تدريبات الأهلي

GMT 16:47 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

وفاة الناشطة الأميركية كلوديت كولفن رمزا للشجاعة والمقاومة

GMT 16:33 2022 الأحد ,13 آذار/ مارس

بعد أوكرانيا الصين وتايون

GMT 09:38 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج الحوت

GMT 22:45 2024 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

5 خطوات لترتيب المنزل بسهولة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt