توقيت القاهرة المحلي 09:44:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مناخ شجاع ومعتدل للاستثمار

  مصر اليوم -

مناخ شجاع ومعتدل للاستثمار

بقلم:د. آمال موسى

لم نختر لتبليغ فكرتنا مجازاً إلا المناخ المعتدل، واستثنينا من ذلك المناخات الأربعة الأخرى؛ الاستوائي والقاري والقطبي والجاف. فالمناخ المعتدل هو أفضل المناخات، ويتميز بصيف معتدل الحرارة وشتاء معتدل البرودة.

وليس جديداً توظيف مدلولات المناخ في الخطاب الاقتصادي؛ حيث نلاحظ في السنوات الأخيرة ارتباط الحديث عن الاستثمار بما يُسمى مناخ الاستثمار، وطبعاً فإن المقصود ليس المناخ الذي يُحدده الموقع الجغرافي في الأرض، بل إن كلمة المناخ اختيرت قصداً لبلاغتها، وكي تختصر إطاراً كاملاً من تشريعات وامتيازات وتسهيلات تخلق بعضها مع بعض مناخاً جاذباً للاستثمار والمستثمرين.

ما يلفت الانتباه أن توفير المناخ الصالح للاستثمار ما زال يعرف شدّاً وجذباً في غالبية بلداننا، ومردّ هذا التردد والاكتفاء بخطوات حذرة هو استمرار الارتهان لفهم قديم لمجال سلطة الدولة في الاقتصادات الوطنية، وأيضاً عدم الثقة بالقطاع الخاص، وتسليمه المقود لتشغيل قطارات التنمية.

أولاً، سياسة المراحل والخطوات البطيئة في المطلق هي سياسة جيدة وحكيمة، ولكن مقاربة الاستثمار لا ينفع فيها السير البطيء، فإما رهان حقيقي وحزمة من التشجيعات والتشريعات الضامنة لحسن سير عملية الاستثمار وإما أن النزر القليل هو تنازلات لا طائل من ورائها. ولنتذكر في هذا الصدد أن أصحاب المال يخافون على أموالهم، ويتميزون بالجبن الذي لا يقاوم إلا بالإغراءات والتشجيعات.

فالسؤال البسيط والكبير الذي يجب أن تطرحه أي دولة تنوي فعلاً تحقيق نهضة اقتصادية هو الآتي: هل تستطيع اعتماداً على ميزانياتها تحريك عجلة الاقتصاد ومواجهة كل التوقعات والنفقات وحاجات شعبها أم أنها مثلها كمثل أي دولة في العالم تحتاج لبناء اقتصاد قوي إلى القطاع الخاص ومستثمرين من الداخل والخارج؟

إن الإجابة الواضحة والصريحة عن هذا السؤال هي التي ستُحدد كيفية تصرف الدولة.

لقد فهمت الدول القوية اقتصادياً هذا الشرط منذ عقود طويلة، ومنها منذ قرون، وأسست لتوزيع عبء تحقيق الثروة وأدوارها، فخففت عن كاهلها، واكتفت بتأطير مناخ الاستثمار ومراقبته وفق أمنها القومي وعائداته على الدولة.

مضى الزمن الذي تقوم فيه الدولة بكل شيء: لم تعد حاجة الناس القمحَ وكفى، بل حاجات الشعوب اليوم لا حد لها، وتلبيتها تحتاج إلى توزيع الأدوار بين القطاعين العام والخاص، لينتجا الثروة، ويُشغّلا عدداً كبيراً من العمال والموظفين والكفاءات. بل إن العالم المتقدم لم يكتفِ بالخصخصة فقط؛ حيث أقحم المؤسسات الكبرى الخاصة في معاضدته في النهضة الاجتماعية والاهتمام بالفئات الهشة، بل أيضاً في تشجيع الفكر والإبداع والمنتوجات الثقافية من خلال ما يسمى المسؤولية الاجتماعية، حتى صار الأداء في مجال المسؤولية الاجتماعية مؤشر تقويم رئيسياً للمؤسسات والشركات الكبرى.

على مستوى الخطابات السياسية الرسمية هناك اعتبار وإدراك لدور الاستثمار والمستثمرين الوطنيين والأجانب، ولكن هذا الإدراك يعوزه توفير المناخ الملائم للاستثمار، أي أننا نريد الاستثمار ولكن من دون أن نضحي بتحفيزات حقيقية وتشريعات تفتح الباب على مصراعيه للمستثمرين في بلداننا العربية والإسلامية. لا شيء يجعل المستثمر يضع أمواله ويجلب التجهيزات ويوظف العمال وهو مثقل الكاهل بالجباية والرسوم وتدني ثقافة حبّ العمل.

عقل الدولة يعتقد أن تقديم هذه الامتيازات سينعكس سلباً على موارد الميزانية العامة للدولة، ولكن هذا العقل يجب أن يشطب هذه الطريقة في التفكير، ويستعمل الرياضيات بشكل صحيح؛ فالدولة بتوفير مناخ جاذب وتنافسي للاستثمار تُحافظ على رؤوس الأموال الوطنية حتى لا تفكر في الاستثمار خارج بلدها، ومن جهة ثانية فالدولة ستزيح عن مشكلاتها عدداً من العاطلين عن العمل، وهو أكبر ربح تستند إليه كبرى الاقتصادات في العالم؛ حيث عدد العاملين في مؤسسات الدولة هزيل جداً مقارنة بعدد المنتمين للقطاع الخاص. وطبعاً الأهم من كل هذا أو خلاصته هي الناتج الوطني ونسبة النمو الاقتصادي.

إن أقوى ما في الاستثمار أنه عجلة تحرك الاقتصاد وتبعده عن سيناريوهات الشلل.

يحتاج الأمر إلى حساب دقيق تدرك فيه الدولة ماذا ستفقد في اللحظة الراهنة، وكم ستكسب في المدى القريب. وإذا كان صاحب المال جباناً للاستثمار، فإن على الدولة أن تكون شجاعة وتوفر أفضل مناخ للاستثمار. فالسباق اليوم بين الدول يكمن في أي دولة تقدم مناخاً أكثر ملاءمة وتشجيعاً للاستثمار وجذباً لأصحاب رؤوس الأموال.

وأكبر ما يمكن أن تقوم به أجهزة الدول في عالمنا العربي اليوم هو توفير المرافق العامة وحماية الثروات الطبيعية والاستثمار فيها، وفتح المجال لهويات متعددة من الفاعلين الاقتصاديين لإنتاج الثروة، والدولة الذكية هي التي تُدير عملية إنتاج الثروة بينها وبين القطاع الخاص، وتكون أكثر الأطراف ربحاً.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مناخ شجاع ومعتدل للاستثمار مناخ شجاع ومعتدل للاستثمار



GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

GMT 03:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

هل نمنع التصوير في بيت الفنانين؟!!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt