توقيت القاهرة المحلي 11:05:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

العمل اللائق والشعور بالانتماء

  مصر اليوم -

العمل اللائق والشعور بالانتماء

بقلم:د. آمال موسى

لعلنا نتفق جميعاً في كون العلاقة بالعمل تحدد علاقة الفرد بكل شيء. أي أن الوضعية المهنية والاستقرار في العمل والتمتع بعمل لائق تحفظ الكرامة الإنسانية... كل هذا يمثل محدداً رئيسياً لعلاقة الفرد بنفسه ووطنه وأسرته والغير.

لهذا؛ فإن كل شخص يشعر بالدونية وبأنه مضطهد ومستغَل في العمل وأنه ينزف تعباً من أجل فتات خبز، لا يستطيع أن يكون في صحة نفسية تمكنه من التواصل بشكل مريح مع محيطه. وهذا ما يسمح لنا بوضع مبدأ أن الوضعية المهنية الجيدة وتوفر شروط العمل اللائق هما المحددان لكل شيء يتصل بالفرد. وفي هذا السياق من المهم التوقف عند أهمية العمل في تحديد علاقة الفرد بذاته، ويمكن القول إن العمل غير اللائق يجعل صاحبه في حالة توتر وخصومة مع نفسه وبالتالي مع الآخر ومحيطه الاجتماعي. ودليلنا في ذلك أن ضحايا العمل غير اللائق هم خزان إنساني يتم استغلالهم على نحو يجعلون منهم قنابل موقوتة قابلة للانفجار أو لتوظيفها في أجندات ضد الإنسانية.

قد نتساءل، أيُّهما أكثر إشكالاً البطالة أم العمل غير اللائق؟

في الحقيقة، العاطل عن العمل بخاصة الذي يعتبر نفسه مهمشاً ومعطلاً يشعر بالمهانة، وهو شعور خطير جداً، بخاصة إذا ما طالت البطالة وأوصدت أمامه أبواب الشغل. في مقابل ذلك، لا يذهب عن بالنا أن المنتفع بعمل غير لائق لا يراعي حقوقه ولا يمكّنه من تلبية حاجياته بكرامة، هو أفضل حالاً بكثير عن العاطل عن العمل الذي يشعر بالمهانة وأحياناً بالاستعباد، وهما شعوران لا يختلفان من حيث المرارة وخلق الطاقة السلبية عن الشعور بعدم الاعتراف به.

باختصار، لا يمكن الادعاء للانخراط في مسار التنمية المستدامة التي تقوم أساساً على العمل كآلية لمحاربة الفقر والجوع والأمية، حيث واقع العمل لم يتجاوز معضلة العمل غير اللائق الذي لا يزال يهيمن بخاصة في القطاع الخاص.

طبعاً لا تفوتنا الإشارة إلى أن أهمية هذا الموضوع تصبح مضاعفة باعتبار أن الاتجاه العالمي اليوم هو تشجيع القطاع الخاص وتوفير مناخ جاذب للأعمال والاستثمار، وهو أمر جيد ويخفف من أعباء الدولة وأجهزتها ويجعلها أكثر تركيزاً على البنية التحتية والمجالات الثقيلة. ولكن في هذه الحالة، فإن المطلوب من كل دولة التوسع في مساحة القطاع الخاص وأن تؤدي دور المحامي للعاملين في القطاع الخاص ووضع تشريعات ضامنة لحمايتهم وتوفير فرص عمل لائق.

وفي هذا الإطار، نعتقد أن دولنا العربية والإسلامية إنما اليوم هي في حاجة في كثير منها إلى ثورة تشريعية في مجال الدفاع عن حقوق ضحايا الأجور الزهيدة الذين نحتاج إلى خدماتهم كثيراً والذين نقدّر خدماتهم مادياً بشكل زهيد.

هل يمكن اليوم الاستغناء عن الحراس وعمال النظافة؟

بالتأكيد الجميع سيجيب بلا. ولكن لماذا في مقابل الإجماع على ضروريتهم وعدم استغناء أي مؤسسة عنهم، نجد مرتباتهم غير لائقة ولا تحفظ لهم كرامة العيش؟ لماذا الحارس وعامل التنظيف والعاملون في الزراعة لا يستطيعون العيش بكرامة والحصول على المرتب الذي يمكنهم من السكن والأكل، والزواج، وتأسيس أسرة والترفيه؟

هناك مشكلة في تقدير هذه الأعمال. وإذا كنا فعلاً على وعي بأهمية النظافة والبيئة وتأثير ذلك على الصحة والرفاه وجودة الحياة فلا بد من تغيير قوانين الشغل ووضع تشريعات خاصة لفائدة هذه الفئات التي تؤمّن لنا كل هذه الخدمات، إضافة إلى الأمن الغذائي من خبر وزيتون وخضراوات وفواكه التي تقوم مزارعات فقيرات من ضحايا العمل بجنيها من الأرض لتأمينها للمجتمع.

لا يمكن ترك ضحايا العمل غير اللائق في براثن القطاع الخاص من دون تعزيز مناخات الأعمال والاستثمار بتشريعات ضامنة لحقوق المهن التي تعاني سوء تقدير.

ومن المهم أيضاً أن نفهم أن توفير مقومات العمل اللائق هي ضمانة لأصحاب الأعمال والمؤسسات الخاصة؛ لأن العامل الذي يكون متصالحاً مع عمله فإنه آلياً سيكون محل تعويل عليه وثقة وجودة في العمل.

فالعمل اللائق لا ينتج إلا ما يشبهه من الممارسات والأداء، وبخاصة الشعور بالانتماء. والإنسان كائن ميال لكل ما هو لائق وحافظ لشيء كبير وأساسي يسمى: الكرامة.

لذلك؛ فإن النضال في سبيل العمل اللائق هو نضال من أجل السلم الأهلي وأيضاً السلام العالمي وإحباط مخططات أعداء الحياة الذين لا يستثمرون إلا في العمل غير اللائق وضحاياه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العمل اللائق والشعور بالانتماء العمل اللائق والشعور بالانتماء



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt