توقيت القاهرة المحلي 23:56:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ثورة الاتصالات والضحايا السعداء

  مصر اليوم -

ثورة الاتصالات والضحايا السعداء

بقلم:د. آمال موسى

إن وضع المجتمعات العربية اليوم كوضع من ركب القطار متأخراً. هناك دائماً نوع من الوعي بالمستجدات متأخر جداً، الأمر الذي يجعلنا في دوامة من الإخفاقات. بل إن تصورنا للصراع لم يبرح فكرته القديمة وما زال الاعتقاد بالصراع على الشاكلة القديمة التقليدية، والحال أن الحروب بالمعنى التقليدي للكلمة تقريباً قد تم تجاوزها خصوصاً فيما يتصل بآليات الحرب وأسلحتها.

فالقوة حسب تصورنا هي امتلاك جيش قوي وضمان الحد الأدنى من السلاح وانتشار روح الفداء. وهذا أمر لا محالة ليس خاطئاً ولكنه لم يعد كافياً كما كان في الصراعات والحروب التقليدية. وهنا لا بد من التمييز بين الحرب والصراع: الحرب في طريقها إلى الزوال من حيث الشكل وترتيب الأدوات والآليات. أما الصراع فهو باقٍ بقاء المجتمع الإنساني لأنه جوهر الوجود في كوكب الأرض. لذلك فإن أشكال الصراع هي التي تتغير والحرب باقية ولكن بأقنعة مغايرة.

مَن يكسب الصراع اليوم هو الأقوى من حيث التحكم في عالم الاتصالات وفي قدرته على تحويله إلى قطاع حيوي وحساس مثله مثل الزراعة.

من يتحكم في الاتصالات يتحكم في العالم، ويستطيع أن يتعقب أنفاس أعدائه وخصومه وجيرانه وحتى أصدقائه.

ولا شك في أن الجاسوسية طريقة قديمة، والطرف الذي يملك الأكثر من الأسرار والمعلومات عن خصمه كانت حظوظ النصر وافرة أمامه. هذا الجانب الخفي من الحروب والصراعات هو ما اصطلح على تسميته في العصر الحديث بالمخابرات، التي شهدت ثورة حقيقية مع تكنولوجيا الاتصال. إن تاريخاً جديداً من موازين القوى بدأ مع ثورة الاتصالات.

ويمكن تحديد خطورة هذه الثورة من رصد التغييرات الحاصلة من تاريخ دخول الهاتف الجوال إلى مجال العلاقات الاجتماعية والتواصل بين الأفراد، إضافة إلى بداية زمن شبكات التواصل الاجتماعي ومختلف البرمجيات الخاصة بتحديد الأماكن من خلال الهاتف وتعقب السيارات من خلال جهاز مراقبة، وأيضاً أجهزة التنصت وكاميرات المراقبة.

طبعاً صحيح أن هذه الثورة أفادت البشرية جمعاء في نواحٍ عدة، كما سهلت كاميرات المراقبة فك ألغاز جرائم عويصة ومعقدة، وأيضاً خفضت شبكات التواصل من تكلفة التواصل والفواتير المرتفعة للهاتف الثابت. وصحيح أنها قربت المسافات والتواصل أصبح أسهل. ويكفي أن نتذكر أن الأم تستطيع التواصل مع ابنها المسافر والبعيد في قارة أخرى ورؤيته أيضاً بالكاميرا مما يخفض معاناة الشوق ويذلل فكرة البعد... ولكن إلى جانب كل هذه المزايا هناك تأثيرات سلبية لا ننتبه إليها. فهي ثورة أطاحت بالحرية والشفافية، وجعلت الناس مكشوفين ومراقبين (ميشال فوكو أشار إلى هذه المسألة في كتاباته). والذين يتحكمون في الفضاء الافتراضي يقومون بإحصاء معمق ودقيق لسكان العالم، ويعرفون عنهم كل صغيرة وكبيرة، ويمتلكون نسخاً من المحادثات، وثمة مَن يعرفون كل شيء عن مستخدمي وسائل الاتصال، والمستخدمون لا يدركون مع الأسف مدى درجة انتهاك بياناتهم وحكاياتهم.

وفي خضم كل هذا فنحن ضحايا سعداء لثورة الاتصالات، بل وتغمرنا الفرحة ونحن نشتري أحدث أجيال الهواتف الجوالة ونتسارع في إنشاء حسابات على أي شبكة تواصل اجتماعي جديدة من دون أن نضع في الحسبان أننا بصدد الوقوع في فخ الانتهاك الذاتي لكل بياناتنا، وما يعتمل في عقلنا وداخلنا ومشاعرنا.

هذا على المستوى الاجتماعي والفردي، فما بالنا بالجانب السياسي وتوظيف الثورة التي انتقلت إلى عالم المخابرات القائم أساساً على الاتصال والتجسس المعلوماتي. فإلى أي حد يمكن ضمان عدم سرية القرارات السياسية والخطط السرية للأنظمة وللأحزاب وللحركات التي تقدم نفسها حركات مناضلة؟ وهل يمكن لأي مناضل اليوم أن ينقطع عن استعمال الهاتف الجوال غير المضمون للتواصل مع رفاقه؟

لو نراجع قليلاً ما حصل في الأشهر الأخيرة من السنة الماضية، وندقق في دور الاتصالات في إحداث زلزال وتغيير موازين القوى. أليست الاغتيالات التي حصلت كانت بسبب خرق اتصالي؟ كما أن اغتيال أمين عام «حزب الله» ومعظم قادته ومن معهم ألم يسبقه تشويش وخرق مجال أجهزة الاتصالات في لبنان؟

لقد جعلت ثورة الاتصالات الجميع تحت مجهر مالكي وسائل الاتصال والبرمجيات والتطبيقات. الجميع مخترق باستثناء مَن يتحكمون في ابتكارها ويحتكرونها ثم يتم التعميم من أجل الرصد والمراقبة.

وعلى المستوى السياسي خصوصاً نعتقد أن الحل ليس فقط في جلب كفاءات كبيرة في مجال الاتصالات لإعداد أنظمة حماية للدولة من الاختراق، بل في الاستثمار العلمي في هذا المجال؛ لأن الكفاءة المستوردة تقدم لك برنامج حماية إلى حين، بينما الباحث الوطني يبتكر ويسبق بخطوة. نحن بحاجة ماسة إلى أن نسبق بخطوة كيلا نظل ضحايا وسعداء في الآن ذاته.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ثورة الاتصالات والضحايا السعداء ثورة الاتصالات والضحايا السعداء



GMT 06:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 06:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 06:16 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 06:07 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 06:03 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

التغير السياسي والتغير الثقافي والزمن الحاضر

GMT 06:01 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 05:58 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 05:56 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - ناسا تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt