توقيت القاهرة المحلي 04:01:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأسر... بين السعادة والعزوف عنها

  مصر اليوم -

الأسر بين السعادة والعزوف عنها

بقلم : د. آمال موسى

لقد أصبح «العزوف» ظاهرة متجذرة في الأنماط الإنسانية اليوم، وهو يشمل أكثر من حقل اجتماعي؛ نتحدث عن العزوف عن الدراسة والمطالعة، والعزوف عن المشاركة السياسية... إذ إن غالبية الشعوب؛ إن لم تكن كلّها، تعرف مظاهر العزوف المشار إليها حتى لو كانت درجاتها مختلفة من حيث الحدة.

هناك أيضاً نوع آخر من العزوف لا ننتبه إليه كما يجب، وهو عزوف خطير ويستحق الانتباه العميق؛ لأنه، من حيث التأثيرات، أشدّ تداعياً على مستقبل الإنسانية وتجديد الأجيال. إننا نقصد ظاهرة «العزوف عن تكوين أسرة» في عالم اليوم. وفي تقديرنا، ولأن العالم يحتفل بـ«اليوم العالمي للأسرة»، فإنه لا سؤال أشد حرقة يستحق التناول وتسليط الضوء عليه من هذه الظاهرة التي تؤثر على المجتمع عموماً.

طبعاً لكل عزوف أسبابه؛ التي يمثل التعرفُ إليها وتحديدُها الطريقَ لوضع خطة العلاج اللازمة؛ على الأقل لتقليل حجم العزوف.

ولكي نؤكد جدية الظاهرة، فنحن لا ننطلق من مجرد انطباع اجتماعي أو فكرة يتداولها الحس المشترك، بل إن الأرقام والإحصاءات هي التي تجعل من الظاهرة حقيقة اجتماعية تَظهر في التقديرات العالمية، التي تشير إلى أن واحداً من كل 4 من «جيل الألفية» قد لا يتزوج أبداً، وأن هذه النسبة مرشحة للارتفاع إلى واحد من كل 3 في جيل «زد».

وللدقة؛ فإننا لا نتحدث عن انخفاض معدلات الولادات وتراجعها، بل إن ما يعنينا حقاً أصل المُشْكِل، وهو العزوف عن حلم بناء أسرة، أي إن الأسرة لم تعد ضمن مشروعات عدد كبير من الجيلين؛ الحاضر والمقبل، وليست حلماً، وليست مسألة ذات أولوية. فالمشكل في طبيعة الوعي الجديد لدى الشباب، أو لنقل لدى نسبة مهمة منه، أنهم أنزلوا حلم بناء أسرة من «مرتبة الضرورة والأمر المفروغ منه»، إلى «مرتبة ثانوية جداً».

ولعل انخفاض عدد الزيجات المسجلة سنوياً في العالم يؤكد عمق العزوف عن الزواج، وتناميه، حيث تراجعت عقود الزواج في مصر بنسبة 2.5 في المائة، وتونس 30 في المائة، والصين 20.5 في المائة، إضافة إلى تراجع لافت في عدد المواليد بالبلدان العربية، وحتى الذين يكتفون بتأخير سن الزواج، فإن مدى التأخير لديهم في تصاعد، حيث تخطى حاجز 30 عاماً، وأصبح متوسط سن الزواج في بلدان مثل لبنان وتونس والجزائر يتجاوز 34 سنة، وهو ما بات يعبَّر عنه في علم اجتماع الأسرة بـ«ظاهرة العزوبية المتأخرة».

إن مواصلة الاكتفاء بتفسير هذه الظاهرة بالأسباب الاقتصادية ذات الصلة بالبطالة في صفوف الشباب، وبارتفاع تكاليف السكن، وتضخم وغلاء المعيشة، وعدم الاستقرار الوظيفي الذي يزيد من صعوبة التخطيط للمستقبل أو الإقدام على بناء أسرة، هي اكتفاء منقوص جداً، رغم وجاهته، ورغم جدية عامل الضغوطات الاقتصادية. ولا يمثل هذا التدقيق «استنقاصاً» من ثِقل السبب الاقتصادي منذ سنوات؛ ذلك أن السبب الاقتصادي يعني أنه بتجاوز الصعوبات ينتفي العزوف ويُقبل الشباب على بناء الأسرة. بمعنى آخر؛ السبب الاقتصادي سهل العلاج، وبمعالجته يتلاشى المشكل.

غير أننا في مشكل مركب، والأسباب الأخرى في تقديرنا هي الأقوى في إنتاج ظاهرة «العزوف عن حلم بناء أسرة»، الذي تربَّت عليه الأجيال، خصوصاً في مجتمعاتنا، أي ما زالت الأسرة تتمتع بمخيال إيجابي رغم شبه انقراض لشكل «الأسرة الممتدة» لمصلحة «الأسرة النواة».

وإذا كان قد بدأ أفول «الأسرة الممتدة» منذ أكثر من نصف قرن، وهي الأسرة التي عمّرت تاريخاً مطولاً، فإن «الأسرة النواة» هي اليوم المهددة بالانحسار، وهو أمر خطير جداً؛ لأن زوال «الأسرة الممتدة» عُوّض بـ«الأسرة النواة» ذات العلاقات الأفقية والقائمة على الشراكة والتواصلية، في حين أن الفردانية (العزوبية إذا جاز التعبير) هي بديل «الأسرة النواة»، وهنا صيحة الفزع، حتى ولو كنا لم نصل بعد إلى حد الفزع، ولكن نَسَق العزوف هو المخيف.

يبدو لنا أن الجدير بالتوقف عنده هو تأثير تغير العقليات والثقافة في ازدياد ظاهرة العزوف عن بناء أسرة. ذلك أن «الفردانية»، بما تمثله من ميل للاستقلالية الشخصية وتخليص الذات من مسؤولية الغير، هي مربط الفرس، حيث فُكّ الارتباط بين السعادة والزواج وبناء أسرة، فأصبحت السعادة في الحرية وعدم التقيد بالتزامات الأبوّة والأمومة، وتعويضهما بالاستمتاع بالحياة والسفر والراحة... بل إن بناء أسرة أضحى؛ وفق هذه الثقافة والمقاربة الحداثية للحياة، عملاً شاقاً.

ومما زاد في انطفاء جاذبية حلم الأسرة نِسَبُ الطلاق والفشل في الزواج، وصولاً إلى ظاهرة الأعشاش الزوجية الفارغة؛ بسبب تسونامي الهجرة... وغير ذلك؛ أي الأولياء المسنّين الذين يجدون أنفسهم في وحدة قاتلة بعد عمر من العطاء والتضحية، كأنهم لم ينفقوا من صحتهم وأعمارهم من أجل أبناء يؤنسون وحدة الكِبَر.

بيت القصيد: ليست الضغوطات الاقتصادية هي المؤدية إلى ظاهرة العزوف عن بناء أسرة؛ بل التغيرات الثقافية، و«الفردانية»، وخيبات الأعشاش الزوجية التي تنتهي فارغة، هي المتسببة في إنتاج أخطر عزوف يمكن أن تعرفه المجتمعات.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأسر بين السعادة والعزوف عنها الأسر بين السعادة والعزوف عنها



GMT 03:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

هل نمنع التصوير في بيت الفنانين؟!!

GMT 03:51 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

هاني شنودة وزمن سعاد

GMT 03:50 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عودة للشواطئ القديمة!

GMT 03:48 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

تفاوض بأدوات الحرب

GMT 03:46 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

واقعية الرئيس الإيراني

GMT 03:45 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

بُشرى نهائي المونديال

GMT 03:43 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عابر للعصور.. شاهد على النظم (11)

GMT 03:42 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حالة مصرية خاصة

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 16:24 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027
  مصر اليوم - ماغي بوغصن تكشف ملامح مسلسلها الجديد في رمضان 2027

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt