توقيت القاهرة المحلي 17:58:25 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مشكل عقلنة

  مصر اليوم -

مشكل عقلنة

بقلم - آمال موسى

جميل أن نفكر في تغيير الواقع بمختلف أبعاده. وجميل أيضاً أن نضع الخيارات الاقتصادية محل شك من ناحية الجدوى وأن نفكر ألف مرة في النظام السياسي المناسب لمجتمعاتنا والأكثر تحقيقاً للديمقراطية. جميل كذلك أن نقتفي أثر الأمم المتقدمة ونأخذ عنها مظهراً من مظاهر تقدمها ومحاولة امتلاكه... أشياء كثيرة جميلة ومهمة في حد ذاتها، غير أن تنزيل ما ذكرناه في البيئة الاجتماعية واقعياً قد يجعلها متواضعة الأثر والفعل والجدوى.
وهنا لا بد من التمييز بين أن نسعى إلى امتلاك أسباب التقدم والتمسك بها بقوة وإصرار ومثابرة على تجسيدها، وبين أن نهتم بالظاهر وننسج على منواله، فلا حداثة حقيقية من دون الرجوع إلى أصل الحداثة وشراراتها الحقيقية. وتمثل هذه النقطة فارقاً كبيراً وعميقاً.
نعتقد أن القدرة على التمييز لم تعد هي نفسها. في المرحلة الأولى من فترة الاستقلالات العربية كان الهاجس واضحاً وهو الرهان على التعليم والثقافة وإعادة الاعتبار للإنسان في الفضاء العربي والإسلامي وتعويضه عن الحقبة الاستعمارية الصعبة.
رغم حداثة الاستقلالات آنذاك وقلة النخب المتعلمة القادرة على تحمل مسؤوليات دول عانت من الاستعمار فإن نقطة القوة كانت تتمثل في وضوح المشروع والأهداف.
اليوم بفعل وتيرة الأحداث وتشابك الظواهر تحولنا فعلاً إلى مجتمعات بالغة التعقيد والتركيب، وهو أمر مربك في حد ذاته باعتبار أن التعقيد خاصية من خاصيات المجتمعات الحديثة، وأصبحت هذه الخاصية خاصية جميع المجتمعات الحديثة منها والتي لا تزال حاملة للبنى التقليدية.
السؤال هو ما دامت هناك محاولات في الفضاء العربي والإسلامي لنتبنى مقاربات العالم المتقدم والانخراط في التحديث فأين يكمن المشكل إذن؟
هنا نصل إلى بيت الداء: نحن نناقش الخيارات الاقتصادية وننتقد الأنظمة السياسية ونمايز بين الأنظمة بقياس الديمقراطية ونتشاجر إلى حد التلاسن حول مشاريع التغيير الاجتماعي ونرجح مشروعاً على آخر بالصوت العالي وأحيانا بالشتم وتبادل التهم والقدح والذم ويصل أحيانا الخلاف الآيديولوجي إلى الدم.
فهل المشكلة في كل ما ذكرناه أم أن الجدير بالنقاش والبناء هو الإنسان العربي نفسه ومتى اكتمل البناء والتنشئة تم التحصين الذي نسعى إليه؟
فالتحصين ليس في النظام السياسي ولا في النمط الاقتصادي، بل إن التحصين الحقيقي يكون عندما ننتج مجتمعاً عقلانياً يؤمن بالاختلاف والنسبية والنقد ويمارس الموضوعية في مقاربته للأشياء والأشخاص والتجارب.
نحن نعرف مشكلاً كبيراً في العقلنة، لذلك فكل الخيارات قابلة للانحراف. والنخب الواعية هي التي تتوقف عن إهدار الوقت ونقاش قشور القضايا وتركز على سبل بناء ذات تكون محور الإصلاحات والخيارات، لأنه متى كان الفرد عقلانياً والعقلنة تسود سلوكه وتفكيره وخياراته فلا خوف عليه ويستطيع في صورة حصول أي انحراف بنمط التنمية أو في السياسة أن يدافع عن نفسه، إضافة إلى أن المجتمع الذي يخطو خطوات أساسية ومحمية في العقلنة لا خوف عليه ولن ينتكس من منطلق أن العقلنة ذاتها تنتج ثقافة مؤسسات وقيم والولاء للقانون وللمصلحة العامة.
ما نلاحظه أن مجتمعاتنا لا تزال انفعالية تحكمها الغنيمة والعصبية. وفي هذا السياق قد يكون من المهم القيام بدراسات تكشف لنا إلى أي مدى مجتمعاتنا لا تزال تخضع وتحتكم للمحددات التي ضبطها المفكر الراحل محمد عابد الجابري والمتمثلة في العصبية والغنيمة أساساً، حيث إنّها محددات ما زالت تفعل فعلها وقائمة الذات حتى ولو اختلفت من ناحية الحدة. وما دامت هذه القيم السلبية متواصلة في الذهنيات وأنماط السلوك فإن مسار العقلنة سيظل مهدداً في العمق. ووحده التعليم قادر على وضع مجتمعاتنا في سكة العقلنة الصحيحة. وغالبية ما نعرفه من مشكلات إنما تعود إلى ضعف المشروع التربوي في بلداننا الذي لم يرسم هدفاً واضحاً يطلق عليه إنتاج مجتمع عقلاني.
الفكرة الأساسية هي أن العقلنة هي أصل التقدم وهي الحل لما نعيشه من مشكلات على جميع الأبعاد. فالمجتمع العقلاني هو مجتمع يرتبط سلوكه بأهداف ويستبطن العلاقة التعاقدية في العلاقات الاجتماعية ويؤمن بالمؤسسات.
لذلك فإن وضع هدف استراتيجي والتفكير في كيفية توظيف مؤسسات التنشئة الاجتماعية لتأمين عقلنة العقل والسلوك والمواقف بات حاجة ملحة، وهي صمام الأمان وهي التحصين الحقيقي والحصن الأول. بمعنى آخر فإن الجدير بالبناء أولاً هو المجتمع، وإذا نجحنا في البناء العقلاني للفرد فإن كل العناء قد تم لأن التقدم الذي هو أحد أهم منتوجات الحداثة هو بدوره نتاج العقلنة ومسار تاريخي طويل انطلق من عصر الأنوار واشتغال فلاسفة عصر الأنوار على العقل وصولاً إلى الألماني ماكس فيبر الذي اشتغل على ظاهرة العقلنة واعتبرها خصيصة المجتمع الحداثي.
بيت القصيد: لنشتغل على عقلنة مجتمعاتنا.. فذاك سر التقدم والرخاء وهي أيضاً - أي العقلنة - الحصن الدائم والمنيع للديمقراطية وللحرية وللعدالة وللمواطنة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مشكل عقلنة مشكل عقلنة



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt