توقيت القاهرة المحلي 08:45:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الوسيلة تغتال الغاية

  مصر اليوم -

الوسيلة تغتال الغاية

بقلم: عادل درويش

المقصود بالعنوان حالات نماذج تغلب الانشغال بالوسيلة، والانغماس فيها، على الغاية الأصلية. وتتراجع الغاية، بمرور الوقت، إلى خلفية الذاكرة الواعية (تخيل العقل كنشاط برنامج التشغيل - السوفتوير - للمخ كالكومبيوتر الذي تخزن فيه المعلومات، فيخرج من الذاكرة ما يحتاجه هذا النشاط فقط)، وتصبح الوسيلة أسلوب معيشة. وعندما يذوب الفرد في تيار أو جماعة احتجاجية يصبح المخ مجرد terminal محطة فرعية لنظام كومبيوتر عملاق للتيار أو الجماعة؛ فيفقد الفرد قدرته الذهنية على الاختيار (كغريزة المصلحة الشخصية وعلاقتها مع البيئة المحيطة) بل ربما تضمحل تفاصيل الغاية نفسها في خلايا تخزين الذاكرة الدماغية إلى مجرد شعار.
الأخطر،عجز الذهن الفردي (سواء المشارك في الحركة أو عضو مؤسسات المجتمع الأساسية المتعاملة معها كالبوليس، والصحافة، والرسميين في الوكالات العامة وساسة الحكومة) أثناء المرحلة الثانية من الحركات الاحتجاجية، عندما تمتزج الغاية بالوسيلة، قبل الوصول للمرحلة الثالثة (وهي اضمحلال الغاية في العقل الواعي إلى مجرد شعار)، عند الأجيال التي لم تشهد تأسيس الحركة بل توارثت الوسيلة لا الغاية من الجيل الأول.
خطورة المرحلة الثانية في حالة الحركات الاحتجاجية أنها مرحلة عجز القدرة الذهنية على الفصل بين الغاية والوسيلة؛ وهي خطورة على الأفراد والمجتمع، وربما العالم الخارجي، إما باستدراج الفرد إلى خرق القانون، والعنف، والانخراط في منظمات إرهابية ابتداءً من اليسارين الراديكالي المتهور، والمتعاطف مع «جهاديي» الإسلام السياسي، إلى أقصى اليمين الفاشي، حيث تحل الوسيلة محل الغاية، التي قد تكون نبيلة في بدايتها، لكنها تورات وراء ضبابية وغيوم الوسائل التي تثير غضب واستفزاز شرائح كبيرة في المجتمع، وأحياناً ما ترد الفئات المتضررة من الاحتجاجات (أي الوسيلة) بوسائل أخرى قد تكون تصادمية مما يهدد السلام والأمن الاجتماعيين.
ما أثار السؤال كان تصاعد الاحتجاجات التي بدأت بهدف معلن هو حماية البيئة من التسخين الحراري. هذه الحركات تحولت إلى ما يعرف في الإنجليزية بالـcult، التي تتجاوز اليوم الترجمة العربية «طائفة دينية»، كما رأينا في النصف الثاني من القرن العشرين بغسيل مخ داخل المجموعة الآيديولوجية المنغلقة لترتكب ما لم يتصوره العقل: كاوم شينريكيو اليابانية التي أطلقت غازاً ساماً في مترو طوكيو في 1995؛ أو عشيرة تشارلز مانسون (1934 - 2017) الأميركية بارتكابها جرائم قتل ما بين 1969 و1971. أو قاعدة أسامة بن لادن (1957 - 2011). الـclut البيئية البريطانية أقنعت نفسها أن الإنسان وحده مسؤول عن التغيير المناخي، والحقيقة أن مساهمة النشاط الإنساني سبعة في المائة فقط (نصيب بريطانيا 00.0014 في المائة من التسخين الحراري العالمي أي 1 علي ثلاثين من مساهمة الصين). الطوائف البيئية تدعي أن احتجاجاتها حركة عصيان مدني سلمية، لكن عملياً نشاطات متطرفة، العديد من أساليبها يندرج تحت الإرهاب في التعريفات الكلاسيكية، «توظيف أساليب تمارس ضغوطاً على المجتمع بغرض ابتزاز السلطات لإجبارها على تغيير سياستها».
ولنتخيل سيناريو محتمل كعصيان مدني، «سلمي» بإخفاء المحتجين مفتاح باب كابينة سائق قطار «يلوث البيئة». إذا أعاق ذلك وصول كمساري القطار لإسعاف السائق أثناء أزمة قلبية قد ينتهي الأمر بحادثة جرحى وموتى ويصبح الاحتجاج «السلمي» عملاً إرهابياً.
انقسم الجدل في بريطانيا بأن إصابة السائق بسكتة قلبية في الفرضية مصادفة، ورأي آخر بأنه بديهياً ومنطقياً يكون دماء ضحايا الحادث في عنق المحتجين، خاصة إذا كانت إدارة السكة الحديد حذرت مقدماً من حوادث قد يسببها تعطيل مسار القطارات وهنا يندرج العصيان المدني «السلمي» تحت بند الإرهاب، بسبب النتيجة المتوقعة من الوسيلة المستخدمة.
اليوم هناك تياران احتجاجيان في بريطانيا يعرضان حياة الناس للخطر. الأول ما يعرف بـ«تمرد الفناء»، والذي أقنع نفسه وقسماً كبيراً من الصحافة، خاصة التلفزيونية، بأن العالم يواجه «حالة طوارئ مناخية»، والثاني انشق حديثاً عن الأول بلافتة «العزل الحراري لبريطانيا» تطالب الحكومة بتركيب مواد العزل الحرارية في كل بيوت بريطانيا. وحتى في حالة تحقيق المطلب، والذي تتجاوز تكاليفه الميزانية الكاملة للبلاد لسنوات قادمة، فإنه سيرهق الجميع خاصة الفقراء بضرائب فوق طاقتهم.
ومثل المجموعة الأصلية المنشقة عنها فإن نشطاء «عزل بريطانيا» كلها من الطبقات الميسورة ومن البيض (ليس بينهم أبناء مهاجرين) مستمرون لأسابيع في احتلال تقاطع الطرق ولصق أنفسهم بالصمغ. تعطيل المرور أدى إلى عرقلة وصول سيارات إسعاف وأطباء لمرضى، وتعطل وصول مرضى السرطان إلى مراكز تلقي جرعات العلاج في الموعد المحدد، معرضين الأرواح للخطر. المحتجون يبررون (للصحافة كمؤسسة تعاطفت مع الوسيلة قبل الغاية) أن معاناة المرضى «تضحية مؤقتة» من أجل هدف «أسمى» طويل المدى وهو حماية كوكب الأرض. نسي معظم الصحافيين أن يسأل أبناء الطبقات المرفهة ما هي التضحية التي يقدمونها بالضبط؟ من ظهر منهم على شاشات التلفزيون كانوا من المتقاعدين الميسورين (أي مسألة شغل وقت الفراغ) أو من الذين ورثوا ثروات، أي بلا عمل محدد. الاستثناء كان صبي دون الحادية عشرة جلس في التاسعة صباحاً بـ«يونيفورم» المدرسة على مفترق الطرق لعرقلة المرور بدلاً من حضور فصله الدراسي. البوليس أزاحه إلى الرصيف بلا تحقيق عن خرقه قانون التعليم بغيابه عن الدراسة أو مساءلة ولي أمره، أي تعاطفت المؤسسة الأمنية الرسمية مع «الوسيلة» بدلاً من تطبيق القانون وأحكام قضائية بمنع إغلاق الطرق!
ورغم تحول أغلبية المجتمع ضد هذه الجماعات، فإنها استمرت في الاحتجاجات التي أفقدتها التعاطف مع الرأي العام في أسابيع قليلة؛ دليل آخر على تلاشي الغاية نفسها من ذاكرتها الواعية لأن الوسيلة أصبحت نفسها أسلوب حياة وغاية. البرنامج اليومي لأفراد هذه المجموعة التي تحولت إلى طائفة طقوسها الخاصة أصبحت شعائر يومية بترتيب الانتقال إلى أماكن الاحتجاج (بسيارات ملوثة للبيئة). وإذا استبدلت اللافتة المعلنة اليوم (والتي تروجها مؤسسات صناعة الرأي العام كالعقيدة المقبولة بأنها «الخير» وما يخالفها «الشر») بأي لافتة أخرى، يمكننا تفهم كيف يتحول طفل أو شاب وديع مسالم يوماً إلى «جهادي» يرتدي حزاماً ناسفاً كوسيلة، هي الحياة والموت معاً، بعد أن نسي ما هي الغاية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الوسيلة تغتال الغاية الوسيلة تغتال الغاية



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt