توقيت القاهرة المحلي 09:14:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السؤال المقلق لأحزاب وستمنستر

  مصر اليوم -

السؤال المقلق لأحزاب وستمنستر

بقلم: عادل درويش

في جلسة مساءلة رئيس الوزراء البرلمانية، الأربعاء، بدلاً من افتتاح كير ستارمر المواجهةَ بالاقتصاد، أو الخدمات العامة، أو مشكلات حكومته المتعثّرة في استطلاعات الرأي، اختار الهجوم على حزب «الإصلاح» وزعيمه نايجل فاراج، «الغائب عن الجلسة». المفارقة أن فاراج كان جالساً في شرفة الضيوف فوق رأس رئيس الوزراء يتبادل الابتسامات مع الصحافيين في منصتهم المجاورة. وتوالت أسئلة نواب «العمال» (المعدة مسبقاً) تهاجم «الإصلاح». بدا المشهد اعترافاً ضمنياً بوجود خصم يفرض نفسه، رغم تقليل الخطاب الرسمي له.

لحظة برلمانية، عابرة في ظاهرها، تحمل دلالة سياسية أعمق. فعندما يخصص رئيس حكومة منخفض الشعبية وقتاً ثميناً من جلسة 30 دقيقة لمهاجمة حزب صاعد (له 5 نواب مقابل 404 للعمال)، فذلك علامة قلق لا ثقة. والتجربة السياسية البريطانية تشير إلى نتيجة عكسية مألوفة: كلما بدا الوزراء متوجسين وهجوميين، ازداد فضول الناخبين تجاه «الإصلاح»، خصوصاً وأن كثيرهم يشعرون أصلاً بأن المؤسسة السياسية في وستمنستر تتجاهلهم.

سبّبَ الصعود السريع لـ«الإصلاح» ارتجاجاً في دهاليز السياسة البريطانية. السؤال الملح بازدياد: هل هذا الصعود بلغ ذروته بالفعل، أم بداية تمرّد أوسع من ناخبين فقدوا ثقتهم بالأحزاب التقليدية؟ مجرد طرح السؤال يكشف حجم التحول. قبل أكثر بقليل من عام، كان «الإصلاح» يُنظر إليه حركةَ احتجاج تملك أوراق اقتراع أكثر مما تملك فرصاً حقيقيةً للتأثير. لكن استطلاعات الرأي اليوم تثير انزعاج حزبي العمال، الحاكم، والمحافظين المعارض، فـ«الإصلاح»، وله نحو 270 ألف حامل بطاقة حزبية (350 ألفاً للعمال)، بدأ يجمع مقاعد في اختراق لافت للمجالس المحلية، آخرها أسكوتلندا، ما يطرح التساؤل عن تغيرات أعمق في الخريطة السياسية البريطانية.

الحديث عن «الذروة» أثارَتهُ سرعة هذا الصعود. فتاريخياً الأحزاب التي ترتفع بسرعة غالباً ما تصل إلى التسطّح بسرعةٍ بتلاشي حداثة الظاهرة واشتداد التدقيق. لكن قوة «الإصلاح» الحالية لا تبدو نابعة من تحمس الناخب لبرنامجه (المتناقض وغير الواضح) بقدر نفور الناخبين من الأحزاب القائمة. حزب العمال في السلطة يبدو حذراً إلى حد الشلل، إداريّاً أكثر منه سياسياً، فيما لا يزال حزب المحافظين يبحث عن هوية وسردية ما بعد الهزيمة الساحقة. «الإصلاح» وقوده مزاج عام ناقم أكثر وليس إعادة اصطفاف آيديولوجي متماسك، وهو فارق جوهري لتقييم مدى استمرار شعبيته.

هناك أيضاً طريقة إجراء استطلاعات الرأي نفسها، والمشاركون يختارون من قائمة أحزاب جاهزة. ويميل الناخب الغاضب إلى اختيار الأكثر إزعاجاً للمؤسسة، وليس بالضرورة دراسة برنامج الحزب، بل لأنه يُعبّر عن رفض شامل للطبقة السياسية. ونادراً ما تجد استطلاعات (بدون ذكر للأحزاب) تسأل الناس عن نوع السياسات التي يريدونها. ولو طُرحت هذه الأسئلة، لربما انكشف فارق كبير بين القناعة السياسية والاحتجاج العاطفي.

أيضاً «الإصلاح» لم يُختبر بعد سياسياً لفترة طويلة. وباستثناء مواجهات برلمانية مقتطفة أو مقابلات إعلامية قصيرة، لم يخض الحزب مناظرات علنية بين الزعماء مثل تلك التي صاحبت استفتاء «بريكست» أو انتخابات 2010. تلك المناظرات كشفت وقتها هشاشة بعض الشعارات وأجبرت القادة على مواجهة تناقضات برامجهم. وإلى أن يخضع «الإصلاح» لاختبارات ممثلة سيظل جزءٌ كبيرٌ من دعمه غير محسوب وبالتالي قابلاً للتبدل.

كما لا يمكن النظر لصعود «الإصلاح» بمعزل عن سياق أوسع. فالنمو المتوازي لحزب الخضر في أقصى اليسار يعكس إحباطاً ممثلاً في الاتجاه المخالف. فمعظم أنصاره غاضبون من تردد العمال في قضايا اشتراكية (استهداف الأثرياء بالضرائب والتأميم، والطاقة الخضراء). الاتجاهان يشيران إلى ناخبين يتجهون إلى الأطراف لأن الوسط السياسي المألوف غير قادر على مخاطبة حاجة الناس.

الاختبار ليس استطلاعات الرأي، بل صناديق الاقتراع. انتخابات المجالس المحلية في مايو (أيار) المقبل التي أُجّل بعضها وأُعيد رسم حدود الدوائر بشكل يثير اتهامات التأثير على النتيجة ستقدم مؤشراً أوضح على قدرة «الإصلاح» على تحويل الاحتجاج إلى تمثيل دائم. وقد تتسبب هذه الانتخابات في زعزعة المحافظين وحزب العمال، الذي تتصاعد داخله أصوات عدم الرضا عن زعامة ستارمر. التاريخ يُعلّمنا أن نتائج محلية سيئة تفتح جدلاً داخلياً تحاول القيادات تأجيله.

ويبقى السؤال: قد تبلغ شعبية «الإصلاح» ذروتها ثم تتراجع عندما يشتد الفحص، وقد يستمر صعوده إذا واصلت حكومة ستارمر الخلط بين الإدارة والسياسة، وبين الهجوم البرلماني والقدرة على الإقناع. المؤكد أن شعبية «الإصلاح» الحالية تكشف بقدر ما تكشفه عن الحزب نفسه، إخفاقات من يتولون السلطة اليوم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السؤال المقلق لأحزاب وستمنستر السؤال المقلق لأحزاب وستمنستر



GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 09:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 09:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 09:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

GMT 09:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... المطلوب إصلاح جذري قبل الانتخابات

GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt