قالَ الزعيم البريطاني الأسبق هارولد ماكميلان، إنَّ أكبرَ تحدٍّ يواجه أي رئيس وزراء هو «الأحداث». وبعد ستة عقود، يكتشف كير ستارمر صحة المقولة. فالحربُ مع إيرانَ واجهت حكومتَه باختبار سياسي ودبلوماسي غير متوقع، في وقت كانَ يعتقد فيه أنَّ السياسةَ الخارجية ستكون المساحة الأكثر أماناً في رئاسته للحكومة.
حرصَ ستارمر على بناء علاقةِ عملٍ دافئة ومستقرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ومع استمرار تراجع شعبيته وتزايد الضغوط السياسية داخلياً، بدا المسرح الدولي فرصة لتأكيد صورة ستارمر بوصفه رجل دولة قادراً على التعامل مع الأزمات العالمية. لكن الأحداث - كما قال ماكميلان - قلبت حساباته رأساً على عقب.
في توترٍ علني غير مسبوق بين لندن وواشنطن، أعرب الرئيس ترمب عن «خيبة أمله» في المملكة المتحدة، مضيفاً أنَّ ستارمر «ليس ونستون تشرشل»، مما سبَّب إحراجاً للحكومة البريطانية، وأثار تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الحليفين التقليديين.
ولم تشهدِ العلاقاتُ بين البيت الأبيض وداونينغ ستريت مثل هذا التوتر العلني منذ أزمة السويس عام 1956. وحتى في ذلك الوقت، عندما غضب الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور من سياسة رئيس الوزراء البريطاني أنطوني إيدن، لم يصل الخلاف إلى مستوى الهجوم العلني كما حدث هذا الأسبوع.
بدأ الخلاف عندما ترددت حكومة ستارمر العمالية في السماح للقوات الأميركية باستخدام قواعد عسكرية بريطانية؛ ففي الوقت الذي أعلنت فيه كندا وأستراليا دعمهما العلني لواشنطن منذ اليوم الأول، تردَّدت لندن في إعلان موقف حاسم. وقد أعاد ذلك إلى الأذهان موقفاً مختلفاً قبل أكثر من عقدين، عندما أعلن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، فور هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وقوف بريطانيا مع الولايات المتحدة «كتفاً إلى كتف». أما هذه المرة، فقد بدا موقف لندن أقل وضوحاً في لحظة كانت فيها واشنطن تتوقع دعماً سريعاً من أقرب حلفائها.
وبرَّرتِ الحكومة موقفَها في البداية بالحديث عن الجوانب القانونية للعملية العسكرية. وبينما وصف معارضون ونقاد هذا الموقف بأنه تفضيل لـ«الحرب القانونية» أو «lawfare» على الحسم العسكري (warfare)، تسربت إلى الصحافة تقارير تشير إلى أنَّ السبب الحقيقي كان ضغوطاً من وزراء يساريين في حزب «العمال».
غير أنَّ تطورات الأحداث سرعان ما فرضت واقعاً مختلفاً؛ فقد تعرَّضت قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في أكوتيري، في منطقة السيادة البريطانية بقبرص، لهجوم بطائرة مسيّرة يُعتقد أنَّ جماعة «حزب الله» في لبنان أطلقتها. وأدَّى الهجوم إلى أضرار في منشآت «القاعدة»، بينها حظيرة لطائرة استطلاع أميركية من طراز «U-2».
واعتُبر هذا الهجوم عملاً عدائياً مباشراً ضد أراضٍ بريطانية، وأعاد النقاش داخل بريطانيا حول حق الحكومة، وفق قواعد القانون الدولي، في الرد على مصادر الهجوم، حتى لو كانت داخل إيران. وفي مساء اليوم نفسه، الأحد، غيَّرت حكومة ستارمر موقفها وسمحت للقوات الأميركية باستخدام قاعدة «دييغو غارسيا» وغيرها من المنشآت العسكرية البريطانية. لكنّ هذا التحول السريع عزَّز الانطباع الراسخ لدى منتقديه بأنَّ ستارمر متردد، ويتأخر في اتخاذ القرار.
وفي الداخل البريطاني تصاعدت الانتقادات السياسية؛ فقد اتهمت زعيمة حزب المحافظين كيمي بيدنوك، حكومة ستارمر بالضعف، مؤكدة أنَّها لو كانت في منصب رئيس الوزراء، لأمرت سلاح الجو الملكي بمهاجمة منصات إطلاق الصواريخ التي استهدفت القاعدة البريطانية.
كما واجهتِ الحكومة أسئلة حول مدى استعدادها العسكري للتعامل مع التهديدات المتزايدة في المنطقة، خصوصاً أنَّ المدمرة البريطانية «دراغون»، المزودة بأنظمة دفاع جوي متقدمة، لا تزال في الميناء لإجراء أعمال صيانة.
في الوقت نفسه، امتدت الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة إلى عشر دول في الشرق الأوسط، بينها دول تُعدّ من الحلفاء التقليديين لبريطانيا. وقد تمكنت دول الخليج، التي استثمرت خلال السنوات الماضية بكثافة في أنظمة دفاع جوي متطورة، من اعتراض عدد كبير من هذه الهجمات وإسقاط العديد من الصواريخ والطائرات المسيّرة.
غير أنَّ الأزمة بالنسبة لستارمر لا تقتصر على السياسة الخارجية؛ فالضغوط الداخلية تلعب دوراً مهماً أيضاً، فقد خسر حزب «العمال» الأسبوع الماضي، مقعداً برلمانياً كان يُعدّ آمناً لصالح حزب «الخضر»، الذي يعارض الحرب بشدة. كما أنَّ بعض التيارات اليسارية داخل الحزب، يدعو إلى الابتعاد عن دعم العمليات العسكرية الأميركية.
هكذا يجد رئيس الوزراء البريطاني نفسه تحت ضغط من الجانبين: فالمعارضة المحافظة تتهمه بالضعف والتردد، بينما ينتقده جزء من قاعدته السياسية، لأنَّه لم يبتعد بما يكفي عن الحرب.
في النهاية قد لا تكون الحرب نفسها هي التحدي الأكبر الذي يواجه كير ستارمر، بل تداعياتها السياسية داخل بريطانيا.
صدق ماكميلان: إنَّها «الأحداث... دائماً الأحداث».