لم تكن الانتخابات الفرعية، الخميس، مجرد خسارة «العمال» في دائرة احتكروها لأكثر من قرن، بل شكلت مؤشراً إضافياً على تصدع أعمق في المشهد السياسي البريطاني. الدائرة خرجت عن المسار التقليدي، بفوز حزب «الخضر» في اختراق هو الأول من نوعه على هذا المستوى.
والأخطر أن الأحزاب الثلاثة التقليدية -«العمال» و«المحافظون»، و«الديمقراطيون الأحرار»- حصلت مجتمعةً على 29 في المائة من الأصوات، مما يعكس استمرار تآكل الثقة في المنظومة الحزبية التقليدية منذ استفتاء «بريكست» في 2016.
المفارقة أن مرشحة «الخضر» الفائزة، التي تعمل سبَّاكة محلية من الطبقة العاملة، ركزت في خطابها على أولويات هذه الطبقة؛ كالخدمات، ومستوى المعيشة، و«جعل العمل مجزياً»؛ غير أن الطبقة العاملة البيضاء نفسها لم تمنحها أصواتها بل منحتها لحزب «ريفورم»، (الإصلاح)، الذي جاء في المرتبة الثانية (بنسبة 28.7 في المائة التي تفوق ما ناله «العمال» و«المحافظون» معاً)، بتركيزه على الاقتصاد والوظائف والهجرة التي ربطها بتراجع الخدمات، وهنا يظهر التباين بين الرمز والتصويت: فتمثيل الخلفية الاجتماعية لا يعني بالضرورة استعادة القاعدة الاجتماعية نفسها.
التصويت يحمل رسالة سياسية مباشرة إلى زعيم «العمال» كير ستارمر، الذي ركّز خطابه على مواجهة صعود «ريفورم» اليميني، مما جعله يُغفل الجناح الأيسر داخل قاعدته الانتخابية التقليدية، فترك فراغاً استثمره «الخضر» بخبث واضح. زعامة ستارمر تواجه التحديات؛ فكل أسبوع يبدو أسوأ من سابقه: تراجع في الشعبية، وانتقادات داخلية، والحزب يخسر من جهتين -من اليمين عبر «ريفورم»، ومن اليسار عبر «الخضر»، وستارمر يسير على حبل مشدود في محاولة توازن تحالف انتخابي متباين.
لكنَّ هناك إشارات مقلقة في التحولات داخل شرائح معينة مثل الناخبين المسلمين والشباب. «الخضر» قسَّم الرسائل لغوياً حسب الجمهور المستهدف. منشوراته بالأوردية والبنجابية ركزت على قضايا تخص المسلمين في الهند، وعلى ما يجري في غزة، في خطاب يستنهض مشاعر التضامن الديني والهوية العابرة للحدود. وخصص منشورات باللغة الإنجليزية للشباب والليبراليين البيض، ركزت على البيئة، والعدالة الاجتماعية، وانتقاد سياسات «العمال» و«المحافظين» في الشرق الأوسط من منظور حقوقي عام.
التمايز يثير تساؤلات جوهرية حول المشاركة السياسية. فمخاطبة شرائح ديمغرافية حصراً بلغات غير اللغة الوطنية، وبقضايا خارجية، قد تعزز الانعزال السياسي والثقافي. فذلك يتجاوز «الترجمة»، إلى بناء فضاء نقاشي موازٍ، قد لا يتقاطع مع الحوار الوطني الأوسع حول التعليم، والسياسات الاجتماعية، والتشريعات التي تمس الحياة اليومية.
وهنا تكمن الإشكالية الأعمق. فبعض السياسات المركزية التي يتبناها حزب «الخضر» -مثل تقنين بيع وتعاطي المخدرات، وتوسيع نطاق التعليم المتعلق بالهوية والجندرية والمثلية في المدارس- تمثل رؤية اجتماعية تتعارض بوضوح مع القيم الدينية والاجتماعية لدى قطاعات من الناخبين المسلمين الذين صوّتوا له. وقد يكون الدافع الغضب من قضايا خارجية. لكن التصويت على أساس قضية واحدة لا يُلغي التناقضات البنيوية بين برنامج الحزب السياسي وقيم الناخبين الذين منحوه أصواتهم.
الاحتمال الأكثر إثارة للقلق أن عدم متابعة ناخبين للنقاش الوطني باللغة الإنجليزية يحرمهم من الاطلاع بالكامل على مجمل السياسات الداخلية التي سيترتب عليها أثر مباشر في حياة أبنائهم. فالأبناء يتلقون تعليمهم في المدارس البريطانية، ويتفاعلون يومياً مع بيئة ثقافية وإعلامية مختلفة. وإذا كان التصويت قد تم بدافع التضامن مع قضية خارجية، فإن نتائجه ستتجلى في المناهج والقوانين والسياسات الاجتماعية.
هذا يطرح سؤالاً أكبر. فالديمقراطية تقوم على نقاش مشترك من الوعي بقضايا تحدد مسار المجتمع. وعندما تتشكل جزر معزولة لغوياً وثقافياً، يتجاوز الخطر مجرد سوء الاختيار الانتخابي إلى اتساع الفجوة بين مكونات المجتمع.
في المحصلة، تكشف هذه الانتخابات عن مشهد سياسي مُتَشَظٍّ: «ريفورم» يستقطب الطبقة العاملة البيضاء، و«خضر» يخترقون من بوابة الهوية والقضايا الدولية، و«عمال» يخسرون من الطرفين، و«محافظون» يُهمَّشون. وحصول الأحزاب الثلاثة التقليدية مجتمعةً على أقل من ثلث الأصوات، يشير إلى تآكل الثقة بالمنظومة الحزبية التي حكمت البلاد لعقود.
ليست مجرد خسارة مقعد، بل علامة على إعادة رسم الخريطة السياسية. ستارمر يجد نفسه محاصراً بين يمين يصعد ويسار يتمدد، فيما يتآكل الوسط الذي يعتقد أنه قاعدته الآمنة. ومع تكرار الانتكاسات وازدياد التململ داخل حزبه، يتحول التراجع في الشعبية إلى اختبار فعلي لصلابة قيادته.
فإذا استمر النزيف من الجانبين، وتحولت الانتخابات الفرعية إلى نمط يتكرر، فإن السؤال لن يكون فقط: إلى أين تتجه السياسة البريطانية؟ بل عمّا إذا كانت قيادة ستارمر نفسها ستصمد طويلاً أمام هذا الضغط المتصاعد.